آخر 10 مشاركات
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأ (الكاتـب : OM_SULTAN - مشاركات : 0 - المشاهدات : 349 - الوقت: 01:46 PM - التاريخ: 10-27-2018)           »          طريقة عمل خبز البوري الهندي الاصلي (الكاتـب : OM_SULTAN - مشاركات : 1 - المشاهدات : 1474 - الوقت: 06:52 PM - التاريخ: 10-20-2018)           »          النييره ( عصيده السمك) من الأكلات الاماراتيه التراثية (الكاتـب : OM_SULTAN - مشاركات : 1 - المشاهدات : 308 - الوقت: 02:32 PM - التاريخ: 10-20-2018)           »          خبيصة التمر الاماراتية : خبيضه بالسميد,خبيصه بالحليب , خبيصة بالشعيريه (الكاتـب : OM_SULTAN - مشاركات : 6 - المشاهدات : 6223 - الوقت: 04:46 PM - التاريخ: 10-18-2018)           »          طريقة عمل متبل الافوكادو (الكاتـب : OM_SULTAN - مشاركات : 0 - المشاهدات : 322 - الوقت: 06:27 PM - التاريخ: 10-17-2018)           »          شو اسم هالاكله ؟؟؟؟ طلع اسمها الحنيذ طريقة عمل الحنيذ (الكاتـب : OM_SULTAN - مشاركات : 1 - المشاهدات : 287 - الوقت: 05:12 AM - التاريخ: 10-17-2018)           »          العصيدة وعصيدة البوبر (اليقطين) (الكاتـب : OM_SULTAN - مشاركات : 3 - المشاهدات : 2601 - الوقت: 02:53 PM - التاريخ: 10-14-2018)           »          سواتر ومظلات بأشكال جديدة 0558802248 (الكاتـب : لؤلؤة غالية - مشاركات : 0 - المشاهدات : 402 - الوقت: 11:44 PM - التاريخ: 10-11-2018)           »          تركيب المظلات المتحركة سواتر مؤسسة غاية 0559900820 – 0553645343 مظلات لكسان برجولات (الكاتـب : لؤلؤة غالية - مشاركات : 1 - المشاهدات : 597 - الوقت: 11:36 PM - التاريخ: 10-07-2018)           »          حبة الحمراء حب الرشاد : الحريرروه...الحسو خلطات اماراتيه للنفاس!! (الكاتـب : شمس الامارات - آخر مشاركة : OM_SULTAN - مشاركات : 7 - المشاهدات : 40156 - الوقت: 10:13 PM - التاريخ: 09-11-2018)

إضافة رد
 
أدوات الموضوع تقييم الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 06-18-2010, 01:29 AM   رقم المشاركة : 1
الكاتب

OM_SULTAN

المشرف العام

OM_SULTAN غير متواجد حالياً


الملف الشخصي








OM_SULTAN غير متواجد حالياً


الشوري في الأسلام

الشوري في الأسلام

(أشيروا عليَّ أيها الناس).. كلمة قالها النبي ( وبعدها قال الصديق أبو بكر كلمته، وقال عمر بن الخطاب كلمته، ونطق المقداد بن عمرو بكلمات خالدة قال: امض بنا يا رسول الله لما أمرك الله، والله لا نقول لك كما قال بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون. ولكن نقول: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فاستبشر النبي خيرًا، وتوجه إلى الأنصار يطلب رأيهم، فنطق سعد بن معاذ -رضي الله عنه- بأعظم كلمات، بايع فيها الله ورسوله على التضحية من أجل دين الله. قال سعد: امض بنا يا رسول الله، فوالله لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، إنا لصُدقٌ في القتال، صُبُرٌ في الحرب، ولعل الله يريك منا ما تقرُّ به عينك. فزاد فرح النبي (واستبشاره، فانطلق بأصحابه ليقاتل أعداء الإسلام في غزوة بدر الكبرى.


الشورى في الإسلام


والشورى في الإسلام حق للأمة وواجب على الحاكم، وهي نظام سياسي واجتماعي، وحلقة وصل بين الحاكم ورجاله. والشورى مبدأ أساسي من مبادئ الإسلام، وليس هذا فحسب، بل إن الإسلام جعلها من صفات المؤمنين الصالحين، حتى إنها وردت في السياق القرآني الكريم بين ركنين عظيمين من أركان الدين هي الصلاة والزكاة، قال تعالى: {والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون} [الشورى: 38].

وكانت الشورى من أهم صفات الرسول (، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: (ما رأيت أحدًا أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله () [الترمذي]. واستشار رسول الله ( الناس في الأسرى يوم بدر، فقال: (إن الله أمكنكم منهم). فقال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: يا رسول الله اضرب أعناقهم. فأعرض عنه رسول الله (، فقال أبوبكر -رضي الله
عنه-: يا رسول الله نرى أن تعفو عنهم وأن تقبل منهم الفداء. [أحمد].

ومن الدلائل التي تدل على أهمية الشورى في الإسلام أن الله سبحانه وتعالى أمر بها رسوله الكريم، فقال تعالى: {وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين} [آل عمران: 159]. وأكد عليها الرسول الكريم (، فقال: (المستشار مؤتمن)
[ابن ماجه]. وقال: (إذا استشار أحدكم أخاه فليشر عليه) [ابن ماجه]. وقال: (من استشاره أخوه المسلم فأشار عليه بغير رشد فقد خانه) [أحمد].

والرسول ( لم يُحدد مَنْ يخلفه في قيادة الدولة الإسلامية وإنما ترك ذلك للمسلمين بعد أن يتشاوروا على من يرضونه خليفة لرسول الله. وسار الخلفاء الراشدون على سنة الرسول (، فعن عمر بن الخطاب قال: (من بايع رجلا أميرًا عن غير مشورة من المسلمين فلا بيعة له، ولا بيعة للذي بايعه) [البخاري].


خصائص الشورى وحدودها في الإسلام


وللشورى في الإسلام خصائص وحدود منها:

* أنها جزء من الدين، وطاعة لله، وقدوة صالحة يؤمر بها الأنبياء قبل غيرهم؛ حتى لا يتعاظم عليها من يدَّعون النزاهة والأهلية والفقه، فليس بعد الأنبياء في الصلاح والعصمة أحد. فالشورى هي السبيل إلى الرأي الجماعي الذي فيه خير الفرد والمجتمع. قال (: (إن أمتي لا تجتمع على ضلالة) [ابن ماجه].

* أن الشورى يجب أن تتم في إطار الشريعة، وأن تقوم على أخوة المسلمين وتراحمهم، وعلى أنهم أمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، التي عليها نشر الإيمان بالله على أساس التطابق الكريم بين الغاية والوسيلة.


* أن الشورى عبادة وبحث عن الحق والصواب، ووسيلة للكشف عن المواهب والقدرات، واختبار لمعادن الرجال، وجمع للقلوب وتأليف بينها على العلم والخير والإيمان، وتربية للأمة، وبناء لقواها الفكرية، وتنسيق لجهودها، وإفادة من كل عناصرها، وإغلاق لأبواب الشرور والفتن والأحقاد.

* أن الشورى توحيد للجهود وربط لجميع مستويات الأمة برباط من نور؛ لما فيه قوتها وتماسكها، وعزة الإسلام ورفعة رايته. قال الحسن: ما تشاور قوم إلا هُدُوا لأرشد أمرهم.
ومع الاتفاق حول هذه الخصائص والحدود فقد ترك الإسلام للمسلمين حرية تطبيق الشورى؛ وذلك وفق ظروفهم وخصائص حياتهم، ولكن شرط عليهم أن يتم ذلك التطبيق في إطار المنهج الذي وضعه الله لهم وطبقه رسوله الكريم وصحابته رضوان الله عليهم أجمعين.

الشورى


المقدمة :

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أفضل خلقه ، محمد أما بعد ، فقد جاء بحثي هذا بعنوان : ( الشورى ) ، ويكمن السبب الحقيقي وراء اختياري هذا الموضوع هو رغبتي في فهم معنى الشورى ودورها في حياتنا اليومية ، ورغبتي أيضا في إضافة واستكمال معلومات عن الشورى ، فموضوع الشورى من أكثر موضوعات الفقه الإسلامي عمقاً وشمولاً وأصالة ، لآن المبدأ منصوص عليه صراحةً في القرآن الكريم ، وأيدته السنة ثم الإجماع .
وكان معنى ذلك أن ينقسم بحثي إلى فصلين ، تسبقها مقدمة ، وتتلوها خاتمة :
في الفصل الأول : تناولت تعريف الشورى ، أدلة حجية الشورى في القران ، وأدلة حجية الشورى في السنة ، آيات عن الشورى في الرسالات السابقة .
وفي الفصل الثاني : عرضت نظام الحكم في مكة قبل الإسلام ، الشورى في صدر الإسلام ، من هم أهل الشورى ، الشروط المتطلبة في أهل الشورى .
ولقد اتبعت في بحثي هذا المنهج التاريخي ، ولم أواجه أي صعوبات فكانت الكتب متوفرة ولم أعاني في الحصول عليها .
وفي النهاية أتقدم بالشكر لكل من ساعدني ، و ارجوا أن يكون بحثي هذا مفيداً أبناء وطني ، واعتذر عن كل تقصير فيه ، وحسبي أنني لم ادخر جهداً في محاولة الوصول به إلى درجة الإتقان ، لكن الكمال لله وحده و نسأل الله التوفيق والسداد .


الفصل الأول

~*¤ô§ô¤*~~*¤ô§ô¤*~

تعريف الشورى
حجية الشورى في القرآن الكريم
حجية الشورى في السنة
آيات عن الشورى في الرسائل



تعريف الشورى :

تعرفها اللغوي : (( الشورى اسم من المشاورة . وتشاور أي استخرج ما عنده من رأي ))
ويقول أهل اللغة : (( والاستشارة مأخوذة من قول العرب : شرت الدابة وشورتها إذا علمت خبرها يجرى أو غيرها .
تعريفها الاصطلاحي : تعريفات السلف للشورى تكاد تكون متوافقة وإن اختلفت تعبيراتهم فقد عرفها الأصفهاني بأنها : (( استخراج الرأي لمراجعة البعض للبعض )) وعرفها ابن العربي بأنها هي : الاجتماع على الرأي ليستشير كل واحد صاحبه ويستخرج ما عنده , وقد عرفها أحد المعاصرين بقله : (( استطلاع الرأي من ذوي الخبرة فيه للتوصل إلى أقرب الأمور للحق )) وقد تعرض هذا التعريف للنقد على أساس : (( أنه يصدق على نوعية خاصة في الشورى هي
( الشورى الفنية ) الخاصة باستشارة أهل الرأي والخبرة في المسائل الفنية , ولكن الشورى كنظام للحكم أعم من هذا التعريف )) فالرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين من بعده كانوا يستشيرون عامة الناس في الأمور المتعلقة بهم , كما كانوا يستشيرون عامة الناس في الأمور المتعلقة بهم , كما كانوا يستشيرون أهل الرأي والخبرة في بعض المسائل الخاصة . كما كانوا يستشيرون كبار القوم الذين يمثلون جماعاتهم في أمور أخرى ثم يعرفها بقوله : (( إنها استطلاع رأي الأمة أو من ينوب عنها في الأمور المتعلقة بها ))
وهذا الاعتراض لا مبرر له ويقوم على دليل فلم يثبت عن الرسول عليه السلام ولا الخلفاء من بعده أنهم قسموا المسلمين إلى فئات معينة وحددوا اختصاص كل فئة فيما تستشار فيه وعلماء السلف والخلف عندما تكلموا عن رجال الشورى قالوا أنهم أهل الحل والعقد , وأنهم الذين يعرفون في الأمة بكمال الاختصاص والأوصاف ... إلى غير ذلك مما سيأتي بيانه تفصيلا عند الكلام عن أهل الشورى .
ويمكن أن نعرف الشورى بأنها : النظر في الأمور من أرباب الاختصاص والتخصص لاستجلاء المصلحة المفقودة شرعا ً وإقرارها . وهذا التعريف يعم وينسحب عل كل أمر تجري بشأنه مشاورة سواء على مستوى الأسرة , أو الدولة , أو المنظمات الداخلية , أو المنظمات الدولية التي النظام العام الإسلامي نبراساً لها . مثل المؤتمر الإسلامي , وجامعة الدول العربية , وجامعة الشعوب الإسلامية إلى غير ذلك وينسحب من باب أولي على سلطة التشريع والرقابة (*) .


(*) د. زكريا عبد المنعم إبراهيم الخطيب , نظام الشورى في الإسلام ونظم الديمقراطية المعاصرة . مطبعة السعادة , 1405- 1985 م ,ص16-18 .


حجية الشورى :

إن ما نقصد بحجية الشورى ، هو مدى ثبوت النص عليها في الشريعة الإسلامية ولذلك فيجب عند بحثنا عن أدلة الحجية ، أن نرجع إلى المصادر الأصلية للتشريع الإسلامي وهي مصدران : القرآن الكريم والسنة الشريفة وسوف نتكلم عن أدلة حجية الشورى في هذين المصدرين مخصصين لكل منهما مبحثاً مستقلاً .


حجية الشورى في القرآن الكريم :

يعتبر القرآن الكريم حجة يجب العمل بما ورد فيه من أحكام وتتفق آراء المسلمين على انه قانون واجب الإتباع والدليل على ذلك أنه نزل من عند الله تعالى وانه قد نقل إليهم من عند ربهم بطريق قطعي لاشك في صحته .
فإذا نحن بحثنا عن أدلة حجية الشورى في القران ، أي عن الآيات التي نصت على الشورى فإننا نجد مثل ذلك النص في موضعين وآيتين شهيرتين وان كان القرآن قد أشار الى الشورى في بعض آيات أخرى .


أولاً : النص على الشورى في القرآن :

ورد النص على الشورى في آيتين بسورتين من القرآن الكريم :
الأولى : سورة آل عمران والثانية : سورة الشورى .
1. في سورة آل عمران :
نجد النص على الشورى في هذه السورة في قوله تعالى :
( فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فضاً غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله أن الله يحب المتوكلين) ففي هذه الآية نجد النص على الشورى قد جاء بصيغة الأمر الذي يتمثل في قوله تعالى ( وشاورهم في الأمر ) فقد أمر الله تعالى رسوله عليه السلام أن يشاور قومه في الأمر وفي المشاورة فائدتان :
الأولى : تأليف قلوبهم وإشاعة المودة بينهم نتيجة للمشاورة .
الثانية : تعويد المسلمين على هذا النهج في معالجة الأمور لآن الرسول عليه السلام الأسوة الحسنة لهم , فإذا كان يلجأ إلى المشاورة فهم أولى أن يأخذوا بها .

2. في سورة الشورى :

نجد في هذه السورة دليلاً ثانياً على حجية الشورى والسورة نفسها حملت اسم (( سورة الشورى )) حيث ورد ذكر الشورى في هذه الآية منها وهي قوله تعالى : ( والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون ) وفي هذه الآية يبين الله تعالى أن الشورى هي إحدى الدعائم الهامة التي يقوم عليها المجتمع الإسلامي وما حملت السورة هذا الاسم إلا لبيان العناية بالشورى والتنبيه إلى عظيم أهميتها .
وكذلك نجد من يقول أن سورة الشورى إنما سميت بهذا الاسم لأنها السورة الوحيدة في القرآن الكريم التي قررت الشورى عنصراً من عناصر الشخصية الإيمانية الحقة .
وإذا كان النص على الشورى قد جاء بصيغة الأمر في سورة آل عمران في قوله تعالى : ( وشاورهم في الأمر) فإن النص عليها بالصيغة الخبرية أو الوصفية في سورة الشورى لا يمنع من ثبوت الدليل عليها وإنما جاء اختلاف صيغة النص عليها تبعاً للخصائص تميز السور الملكية في القرآن الكريم عن سوره المدنية .
فسورة الشورى ملكية النزول فيما عدا أربع آيات منها نزلت بالمدينة ليس من بينها هذه الآية التي تنص على الشورى ويلاحظ أن ما نزل من آيات القرآن بمكة لم يتميز بطابع الأسلوب التشريعي ووضع الأحكام المحددة فذلك هو طابع الآيات المدنية , أما الآيات المكية فليس فيها شيء من التشريع التفصيلي بل معظم ما جاء فيها يرجع إلى المقصد الأول من الدين وهو توحيد الله سبحانه وتعالى وإقامة البراهين على وجوده وذلك يؤدي إلى تربية القلب والوجدان ثن أن الإيمان يسبق العمل ويؤدي إليه ولهذا لا نعجب إذا جاء النص على الشورى في هذا الآية كإحدى الصفات المميزة للمؤمنين , ومذكورة بين صفات أخرى يمتازون بها وواجبة فيهم ثم أن ذكر الشورى جاء تالياً مباشرة لذكر الصلاة ، فإن المؤمنين منصفاتهم أنهم ذوو شورى لا ينفردون برأي حتى يتشاوروا ويجتمعوا عليه وكانوا قبل الهجرة وبعدها إذا حزبهم أمر اجتمعوا وتشاوروا . وأما قوله تعالى ( ومما رزقناهم ينفقون ) فالمقصود به الإنفاق في سبيل الخير ولعل فصل الإنفاق عن قرينه ( الصلاة ) بذكر المشاورة بينهما إنما كان لوقوعها عند اجتماع المؤمنين للصلوات فكان المؤمنون الأولون لا ينفردون برأي حتى يتشاوروا عليه وذلك من فرط تدبرهم وتيقظهم وصدق تآخيهم في إيمانهم وتحابهم في الله تعالى .
ويذكر في ذلك الصدد أيضاً أن المؤمنين كانوا لانقيادهم إلى الرأي في أمورهم متفقون ولا يختلفون فمدحوا باتفاق كلمتهم .. وأنه ما تشاور قوم قط إلا هدوا لأرشد أمورهم فأن الشورى كما قال ابن العربي – ألفة للجماعة ومسبار للعقول وسبب إلى الصواب فمدح الله المشاورة في الأمور بمدح القوم الذين يتمثلون ذلك ويطبقون الشورى في سلوكهم .


ثانياً: آيات عن الشورى في الرسالات السابقة :

رأينا ما يثبت حجية الشورى في القران الكريم في آيتين نصتا على الشورى في سورتي آل عمران والشورى وسنرى ذكر الشورى قد ورد في سورتين أخريتين بالنسبة للشرائع السابقة على الإسلام فيما ذكره الله تعالى في سورة طه وفي سورة النمل ونورد فيما يلي بيان ذلك :

1. في سورة طه :
نجد إشارة إلى الشورى في سورة طه في قوله تعالى عما يذكره موسى عليه السلام : ( واجعل لي وزيراً من أهلي ، هرون أخي ، أشدد به أزري ، وأشركه في أمري ) وقد استشهد بهذا النص القرآني كدليل على أهمية المشاورة أقضى القضاة أبو الحسن البغدادي ذكر أن الله تعالى إذ حكى عن نبيه موسى عليه السلام هذا القول بهذه الآيات ، فأننا نفهم منه أنه إذا جاز ذلك في النبوة كان في الإمامة أجوز .
وقد ورد في كتاب النسائي عن القاسم بن محمد : سمعت عمتي تقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( من ولى منكم عملاً فأراد الله به خيراً جعل له وزيراً صالحاً أن نسى ذكره وإن ذكر أعانه )) ومن هذا المعنى قوله عليه الصلاة والسلام أيضاً : (( ما بعث الله من نبي ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان : بطانة تأمره بالمعروف وتحضه عليه وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه فالمعصوم من عصمه الله )) وقد سأل موسى ربع عز وجل أن يجعل له وزيرأً يشاركه في الأمر وفي النبوة أيضاً .

2. في سورة النمل :
أورد القرآن الكريم في سورة النمل إشارة إلى صورة من صور الشورى في قصة ملكة سبأ في قوله تعالى : ( قالت يأيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة امرأً حتى تشهدون ).
وقد ذهب العلماء في تفسير هذا الآية إلى أن الملكة (( بلقيس )) ملكة سبأ طلبت من قومها أن يشيروا عليها في الأمر الذي نزل بما عندهم من الرأي فما كان لها أن تمضي حكماً حتى يحضروا ويكونوا شاهدين وذكر أن أهل الشورى عندها كانت عدتهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً .

حجية الشورى في السنة :

إذا كان القرآن الكريم هو المصدر الأول للتشريع الإسلامي بلا خلاف ، فإن الحديث الشريف أو السنة النبوية هي المصدر الثاني للتشريع بعد القرآن وهي التي جاءت مفسرة ومتممة له.
فلسنة حجة على جميع المسلمين وأصل من أصول تشريعهم ودليل من الأدلة الشرعية التي يجب الأخذ بها والعمل بمقتضاها وهي بمعناها المعروف مآثر عن الرسول عليه الصلاة والسلام من قول أو فعل أو تقرير وتشتمل على نوعين من الأحكام : الأول : الأحكام البيانية المبينة لما ورد في القرآن والثاني الأحكام المؤسسة التي وردت فيما لم ينزل به نص قرآني ، وبالنسبة لمبدأ الشورى فإن السنة الشريفة ليست مقررة أو مؤسسة له ابتداء بل جاءت مثبتة ومؤكدة لما ورد عنه بالقرآن الكريم .
وسوف نذكر ما يثبت حجية الشورى من السنة الشريفة مبتدئين أولا ً بالسنة الفعلية ثم نعقب ذلك بما ورد في السنة القولية .

1. السنة الفعلية :

حفلت السنة الفعلية بما يثبت أن الرسول الله شاور أصحابه في عدة أمور وفي جملة المواقف ، ونجد الكثير من الأمثلة على ذلك في كتب التاريخ والتفسير والحديث وقد عبر عن ذلك أبو هريرة بقوله (( لم يكن أحد أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله صلى الله عليه وسلم )) فكان يستشيرهم في الحرب وفي السلم بل وفي خاصة أمره فقد روى عنه في حادثة الإفك قوله عليه السلام : (( أشيروا علي يا معشر المسلمين في قوم أبنوا أهلي ورموهم )) .. واستشار علياً وأسامة بن زيد في فراق عائشة رضي الله عنها ونورد بعض الأمثلة على أخذ الرسول عليه السلام بالشورى .

1. غزوة بدر :

كان عدد الذين خرجوا مع الرسول عليه السلام في بدر 313 رجلاً ، منهم 207 من الأنصار و106 من المهاجرين وقد استشار الرسول عليه السلام أصحابه في ثلاثة مواقف بغزوة بدر : الأول قبل أن تبدأ المعركة والثاني أثناءها والثالث بعد انتهائها – فلم يصدر إليهم المر بالحرب دون مشاورتهم ولو فعل لوجد منهم الطاعة والإذعان التامين ولكنه استشارهم قبل الإقدام على القتال وقد استشار المهاجرين فقام أبو بكر الصديق فقال فأحسن ثم قام عمر فقال فأحسن ولم يفته استشارة الأنصار أيضاً ، لأنهم كانوا قد تعاهدوا معه على الدفاع عنه وحمايته في المدينة فحسب ولذلك حرص على ألا يورطهم في حرب قد لا يريدونها ولذلك فعندما طلب الرأي قال سعد بن معاذ سيد الأوس بل سيد الأنصار ( وكان فيهم كالصديق في المهاجرين ) : كأنك تريدنا والله يا رسول الله ثم أعلن تأييد الأنصار ومبايعتهم على القتال .
وعند المعركة وعلى أرضها برزت صورة أخرى للشورى إذ تقدم المنذر بن الحباب يعرض مشورته على الرسول عليه السلام فيما يتعلق باختيار المكان المناسب للنزول فيه وقد أقره الرسول على مشورته وعمل المسلمون برأيه .
وبعد انتصار المسلمين في بدر وحصولهم على الأنفال والأسرى من الكفار احتاجوا إلى المشورة مرة ثالثة : وقد استشار الرسول عليه السلام أبا بكر وعمر فأشار أبو بكر بقبول الفداء من الأسرى ووافق ذلك رأى الرسول عليه السلام أيضاً وخالفهما فيه عمر "، أما علي بن أبي طالب فلم يعلن رأيه في هذا الأمر مع أنه أحد الثلاثة المستشارين ولعله آثر التريث حين رأى هذا الخلاف . وقد نزل بعد ذلك الوحي بعدم أخذ الفداء .

2. في غزوة أحد :

حين علم الرسول عليه السلام بقدوم قريش للقتال استشار أصحابه فيما يفعل فأشار قوم منهم بلقاء قريش خارج المدينة وكان هذا رأي الشباب ومن لم يشهد بدراً وهم أكثر أهل المدينة وعلى رأس هذا الفريق حمزة بن عبد المطلب ( عم النبي عليه السلام ) وسعد بن عبادة والنعمان بن مالك .
أما الرسول عليه السلام فكان رأيه البقاء في المدينة وذلك لحصانتها الطبيعية ومناعتها وسهولة الإحاطة بالأعداء المهاجمين في أزقتها والانتفاع بمساعدة النساء والصبيان وقد رأى البقاء بالمدينة كذلك أكابر المهاجرين والأنصار وأرسل الرسول عليه السلام إلى عبدالله بن أبي بن سلول يستشيره ولم يكن استشاره من قبل ذلك ، فكان رأيه أيضاً هم بالبقاء بالمدينة وانتظار قدوم قريش إليهم . وقد حدث أن قبل الرسول عليه السلام الرأي الأول رأي الكثرة من الشباب والمتحمسين للاستشهاد في المعركة وفي سبيل الله وقرر الخروج من المدينة وكانت موقعة أحد حيث فات المسلمين الأنصار ومع ذلك فإن الله تعالى أمر الرسول عليه السلام في عقبها بأن يعفو عن المسلمين وأن يستغفر لهم وأن يشاورهم في الأمر حتى لا تكون هزيمة أحد سبباً مؤثراً في إغفال الشورى بعد ذلك .
3. صلح الحديبية :
كذلك شاور الرسول عليه السلام يوم الحديبية في أن يميل على ذرارى (*) المشركين ويقتلهم فقال له أبو بكر الصديق : أنا لم نجيء لقتال أحد وإنما جئنا معتمرين فوافقه الرسول عليه السلام على رأيه وهذا وعدل عما كان يراه .

(*) جمع ذرية وهي النسل وأصلها ذريئة فخخفت الهمزة .


2. السنــة القولية :
روى عن الرسول الله عدة أحاديث يأمر بالشورى ويحث المسلمين على الأخذ بها ومن تلك الأحاديث ما يأتي :
1. روى الترمذي عن أبي هريرة أن الرسول عليه السلام قال :
(( إذا كان أمراؤكم شراركم وأغنياؤكم بخلاءكم وأمركم إلى نسائكم فبطن الأرض خير لكم من ظهرها ))
2. وقال عليه السلام : (( ما تشاور قوم قط إلا هدوا لأرشد أمرهم ))
3. وقال عليه الصلاة والسلام : (( ما ندم من استشار ولا خاب من استخار ))
4. وروي عن سهل بن سعد الساعدي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله : (( ماشقى قط عبد بمشورة وما سعد باستغناء رأي ))
5. وقال عليه الصلاة والسلام : (( المستشار مؤتمن ))
6. وقال صلى الله عليه وسلم : (( استعينوا على أموركم بالشورى ))

كذلك جاءت السنة الشريفة من حيث الحجية – مؤكدة ومقررة لما ورد عن الشورى في القرآن الكريم ، وينبغي أن ننبه هنا إلى أمر هام هو أن السنة الشريفة ليست في اصطلاح الفقهاء من الأدلة الشرعية ، بل هي حكم من الأحكام الشرعية تقابل الغرض والواجب فهي صفة شرعية للفعل كالفريضة والوجوب ، والنصوص التي وردت عن الشورى سواء في القرآن الكريم أو في السنة الشريفة هي نصوص قطعية الدلالة لا تحتمل تأويلاً لأنها نصوص دلت على معنى يتعين فهمه منها ولا مجال لفهم معنى أخر منها . وإذا انعقد الإجماع على أن القرآن الكريم حجة واجبة العمل بما ورد فيه من أحكام وأنه قانون واجب الأتباع فإن السنة هي أيضاً حجة على جميع المسلين وأصل من أصول تشريعهم وهي المصدر الثاني المتفق عليه بعد القرآن الكريم (*) .

(*) د . يعقوب محمد المليجي ، مبدأ الشورى في الإسلام ، مؤسسة الثقافة الجامعية ، الأسكندرية ، ص 83-93 .

الفصل الثاني

~*¤ô§ô¤*~~*¤ô§ô¤*~

نظام الحكم في مكة قبل الإسلام
الشورى في صدر الإسلام
من هم أهل الشورى
الشروط المتطلبة في أهل الشورى



نظام الحكم في مكة قبل الإسلام :

في مكة قلب الجزيرة العربية ، وملتقى القوافل التجار ، إلى جانب كونها البلد الذي تحج إليه قبائل العرب .
في هذا البلد ، مع أخذ بعين الاعتبار الواقع السياسي والاجتماعي ، كان يسود نوع من أنواع النظام السياسي القبلي أطلق عليه البعض صفة (( الحكم الجمهوري )) .
كان ذلك بقيادة قريش ، حيث برزت حكومتها من خلال بني سهم عشيرة عمرو بن العاص ، التي كانت تمارس مهمة القضاء ليس بين سكان مكة فحسب بل حتى بين المتخاصمين من القبائل الأخرى .
وانسجاماً مع الواقع الحضاري يومها ، فإن الأعمال الاجتماعية المهمة كانت تقسم بين الأسرة الكبيرة ، حيث الصدارة لأصحاب الرأي والخبرة والحكمة ، فالحاجة آنية هي التي تفرض وجود هذا المركز أو ذاك مما تستلزمه ضروريات المجتمع يومها ، وتقسيم المراكز والمناصب كان يتزايد اضطراداً مع تطور الحياة الاجتماعية والسياسية .
لذا كان علينا أن نتفهم السبب الذي من اجله اقتصرت المسؤوليات في مكة على :
رياسة دار النبوة وعقد اللواء ، وحجابة الكعبة وسقاية الحجاج في تلك المؤسسات السياسية والاجتماعية التي أملتها طبيعة المجتمع القبلي ، الذي يتخذ من العرف والعادات منهج حكم له . والذي يعنينا هو تلك الندوة العامة التي أسسها قصي بن كلاب ، زعيم البيت الحرام ، والتي فيها كانت تصرف أعمال القبائل من زواج البنت حتى إعلان الحرب والسلم . وكانت الرئاسة تتجلى بالأمور الأربعة التي أوردها الطبري :
1. رياسة الندوة : مجمع الملأ وأغنياء قريش وكبارها تتم عملية التشاور في كل طارئ .
2. الحجابة : حجابة أو سدانة الكعبة .
3. سقاية الحجاج ورفادته : والرفادة تعني الاستضافة وتقديم الطعام .
في هذه الدار كانت تتم عملية الشورى وتتخذ القرارات . إلا أن التاريخ لا يذكر وجود أية قوة تنفيذية تلزم الآخرين بالانصياع والانقياد لها ، إنما في الواقع كانت هناك قوة معنوية وأدبية .
وفي هذه الدار تم اجتماع كبار رجالات قريش للنظر في أمر إخراج النبي من مكة أو حبسه أو قتله .
أما في يثرب ( المدينة ) فقد كانت (( السقيفة )) المكان المميز لباقي أنديتهم ، هي المقر العام حيث يجتمع كبار القبائل ويتشاورون فيما بينهم في الأمور الهامة أيضا ، وفي إحداها (( سقيفة بني ساعدة )) تم انتخاب أول خليفة بعد الرسول ، وفي هؤلاء أيضاً ، أي سكان المدينة ، نزلت الآية التي تمتدح وتبرز أسمى ممارسة سياسية كانوا يمارسونها وهي الشورى : ( .. والذين استجابوا لربهم أقاموا الصلاة و أمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون )
ويؤكد الألوسي أن ممارسة الشورى عند أهل المدينة كانت قبل الإسلام عنده تفسير للآية ـ بأن الأنصار في جاهليتهم و إسلامهم كان أمرهم شورى بينهم :
(( .... وجيء بالجملة اسمية مع أن المعطوف عليه جملة فعلية للدلالة على أن التشاور كان حالهم المستمر قبل الإسلام وبعده )) نخرج منم هذا العرض إلى أن روح المشاورة أصيلة عند العرب ولم يعرف عنهم إطلاقا انهم وضعوا أمرهم بيد رجل فرد منهم .

الشورى في صدر الإسلام :

قد لا يكون من العبث أن يترك القرآن هكذا ، أحكامه عامة وكلية ، لا تتدخل في الجزئيات والتفصيلات إلا فيما ندر من آيات الأحكام ، لعل في ذلك حكمة ليتعلم أولو الأمر من بعد كيف تستنبط الأحكام المعللة بالمصالح ، وانه حيثما تكون المصلحة فثم شرع الله ، وان الأحكام تركت عامة غير مقيدة لتتمكن في كل زمان ومكان من استيعاب المشاكل الطارئة والحلول المناسبة لها .فالمطلوب حسب رأي ابن القيم الجوزية أن تكون آية أحكام أو قرارات سياسية موافقة لأهداف ومبادئ الشرع لا مطابقة لما نص به الشرع فقط (( ... ونقل ابن القيم الجوزية عن ابن عقيل مخاطباً لمن قال : (( لا سياسة إلا ما وافق الشرع)) : إن أردت لا سياسة إلا ما نطق به الشرع فغلط وتغليط للصحابة رضي الله عنهم )) .
وهذا المعنى يؤكده القرافي انسجاما ً مع المبدأ الفقهي الذي كرسته مجلة الأحكام العدلية (( لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان )) وقال رداً على من سأل عما إذا كانت الأحكام المترتبة على العوائد تتغير بتغيرها فأجاب (( إجراء الأحكام التي مدركها العوائد مع تغير تلك العوائد خلاف الإجماع وجهالة في الدين ، بل الحكم التابع للعادة يتغير بتغيرها ، وليس هذا بتجديد اجتهاد من المقلدين بل هي قاعدة اجتهد فيها العلماء واجمعوا عليها ))
وعمر بن الخطاب أوقف تنفيذ حد السرقة في عام الرماد ولم يعتبر ذلك يومها مخالفاً مع وجود الحكم الصريح في القرآن القاضي بقطع يد السارق . وفي مطلع هذا القرن أكد رشيد رضا أنه في كل عصر يمكن فهم القرآن بما لم يفهمه به الأولون ، فكلام الله بحر لا ينضب وعكس ذلك كما يفهم من كلامه هو جعل القرن قاصراً وجامداً وهذا لا يجوز إطلاقا : (( ولا يضرنا أن تعدنا حوادث الزمان للعمل بما يرشدنا إليه القران وان نفهم منه ما لم نكن نفهمه نحن ولا آباؤنا )) .
نخلص من هذا إلى أن جل الأحكام القرآنية هي عامة ومنها (( الشورى )) التي هي موضوع ببحثنا ، فلم تحدد أشكالها ، ولم تصب في قالب ضيق ، إنما تركت للبيئة الملائمة لكل زمان ومكان ، لتحقق ذلك الطابع الشورى في حياة الأمة لا ليكون ذلك في قمة الدولة فحسب أنا هي ، أي الشورى ، صبغة شاملة لكل جوانب الحياة العامة والخاصة (*) .

(*) علي محمد لاغا ، الشورى والديمقراطية ،المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع ، الطبعة الأولى ، 1403ه- 1983م ، ص16- 18 .

من هم أهل الشورى ؟

تكلم علماء السلف عن أهل الشورى في سياق حديثهم عن الخلافة الإمامة باعتبارهم الهيئة المنوط بها اختيار الخليفة أو الإمام بعد توافر الشروط المعتبرة فيه . أو عزله إذا دخل بإحداها ولم يتكلموا عنهم بصفتهم هيئة تشريعية وقد عبروا عن هذه الهيئة بهذه الصفة المحددة بتعبيرات مختلفة : أهل الحل والعقد كما سماهم الماوردى محدد إياهم بشروطهم لا بفئاتهم . أهل الاجتهاد ، أهل الإجماع أو علماء الأمة القادرين على الاجتهاد والاستنباط وبعض علماء السلف قد حاول تعيين الفئات التي تتكون منها هيئة الاختيار ( أهل الشورى ) ففقهاء الحنفية يعتبرونهم الأشراف والأعيان . والإمام القرطبي نقل عن ابن عطية أنهم أهل العلم والدين ونقل عن ابن خويز منداد أنهم العلماء ووجوه الناس ووجوه الكتاب والوزراء . والإمام النووي يعتبرهم العلماء والرؤساء ووجوه الناس .
أما فقهاء الإسلام المعاصرين فقد تكلموا عن أهل الشورى باعتبارهم الهيئة التي تنوب عن الأمة في مباشرة سلطات السيادة من اختيار وتشريع ورقابة ويعرفونهم بتعريفات تتفق في المدلول وتختلف في التفصيل . فلإمام محمد عبده يعرفونه بأنهم : (( علماء الأمة المجتهدين والأمراء والحكام ورؤساء الجند وسائر الرؤساء والزعماء الذين يرجع إليهم الناس في الحاجات والمصالح العامة )) .
ويقول السيد رشيد رضا : (( يجب أن يكون في الأمة رجال أهل بصيرة ورأي في سياستها ومصالحها الاجتماعية وقدرة الاستنباط يرد إليهم أمر الأمن والخوف وسائر الأمور الاجتماعية والسياسية وهؤلاء هم الذين يسمون في الإسلام أهل الشورى أهل الحل والعقد الذين يسمون عند الأمم الأخرى بنواب الأمة )) .
ويعرفهم الشيخ شلتوت بأنهم : (( أهل النظر الذين عرفوا في الأمة بكمال الاختصاص في بحث الشئون وإدراك المصالح والغيرة عليها كأصحاب القضاء ، وقواد الجيش ورجال المال والاقتصاد والسياسة وغيرهم من الذين عرفوا في تخصصهم بنضج الآراء وعظيم الآثار وطول الخبرة والمران ، فهؤلاء هم أولو الأمر في الأمة وهم الذين يجب على الأمة أن تعرفهم بآثارهم وتمنحهم ثقتها و تنبيهم عنها في نظمها وتشريعها والهيمنة على حياتها وهم الوسيلة الدائمة في نظر الإسلام لمعرفة ما تسوس به الأمة أمورها فيما لم يرد من المصادر السماوية الحاسمة وهم أهل الإجماع الذين يكون اتفاقهم حجة يجب النزول عليها )) .
ويقول الأستاذ أبو الأعلى المودودي : (( وهم الحائزون لثقة العامة الذين يطمئن إليهم الناس لإخلاصهم ونصحهم وأمانتهم وأهليتهم والذين تضمن مشاركتهم في أقضية الحكومة أن الأمة ستمد إلى الحكومة يد التعاون في تنفيذ هذه الأقضية )) .
وهذا ما انتهى إليه أيضاً رأي الأستاذ عبد القادر عودة حيث يقول : (( لأولياء الأمور مثلاً أن يعرفوا رأي الشعب عن طريق رؤساء الأسر والعشائر أو عن طريق ممثلي الطوائف أن يأخذوا رأي الأفراد الذين تتوافر فيهم صفات معينة )) .
ونحن إذا أردنا أن نحلل الآراء السابقة لوجدنا أقربها إلى الصواب وأكثرها تحقيقاً للأهداف المنشودة والتي ترمي إليها مرونة القواعد الشرعية والنصية والمستنبطة من مواءمة لمختلف الأزمان والبيئات ، هي الآراء التي توسع من دائرة أهل الحل والعقد بحيث تشمل وجوه الاختصاص في كل ناحية من نواحي الحياة المختلفة حتى تأتي هذه الهيئة ممثلة للأمة أصدق تمثيل .

الشروط المتطلبة في أهل الشورى :

مما لاشك فيه أن أي مؤسسة من مؤسسات الدولة تستلزم نظمها أن تتوافر في أعضائها شروطاً معينة سواء من ناحية الكيف بضرورة اكتسابهم لأوصاف معينة أو من ناحية الكم بتحديدهم بعدد معين أو نسب محددة .
وفقهاء الشريعة الإسلامية لم يهملوا جانب الكيف بل لا نكون مبالغين إذا قلنا انهم أول من طالب بوجوب توافر شروط معينة في الحاكم الأعلى للدولة أو الوزراء أهل الشورى وأصحاب القضاة والولاء إلى غير ذلك . وهم في ذلك قد أفاضوا القول أحاطوا بكل الصفات الموضوعية التي لا يتأتي معها قصور أو نقص ، ولكنهم في جانب الكم جاءت أقوالهم مبهمة في سياق الكلام عن انعقاد الإمامة والعدد الذي تنعقد به مما لا يمكن معه الاستنتاج السليم في التحديد المطلوب لأهل الشورى .

شروط أهل الشورى من حيث الكيف :

قد يكون الماوردى هو أول من أوجب توافر شروط معينة في أهل الشورى في سياق حديثه عن اختيار الخليفة أو الإمام ، وهذه الشروط التي استلزمها تعتبر إجمالا جامعاً لتفصيل أورده من جاء بعده وذلك حيث يقول : (( أما أهل الاختيار فالشروط المعتبرة فيهم ثلاثة ، العدالة الجامعة لشروطهم ، العم الذي يتوصل به إلى معرفة من يستحق الإمامة على الشروط المعتبرة فيها ، الرأي والحكمة المؤديان إلى اختيار من هو للإمامة اصلح .
والإمام محمد عبده حين أوجب طاعتهم اشترط أن يكونوا منا أي من المسلمين ، وإلا يخالفوا نصوص القران والسنة ، وان يكونوا مختارين في آرائهم .
ويقول الشيخ محمود شلتوت : (( أن يكونوا من أهل العلم والبصر بأمور الدين والدنيا ومن ذوي الرأي والخبرة في نواحي الحياة المختلفة )).
وبعض المعاصرين لخصوا الشروط في شرطين فقط . (( العلم والقبول عند الناس )) (( الأخلاق الدينية والثقافة العامة )) وهذا التلخيص معيب خاصة فيما يتعلق بالثقافة العامة إذ يجب أن تكون التعبيرات محددة وموضحه والمقصود منها . ولقد عاب البعض على السلف إتيانهم بألفاظ مبهمة عند تحديدهم لفئات أو أوصاف أهل الشورى مثل (( الرؤساء )) ، و (( وجوه الناس )) . ويفهم من تلخيصات الدكتور عبد الحميد متولي أنه يحمل الشروط الثلاثة التي أوردها الماوردى في شرط واحد فقط هي (( الحكمة )) . ومما اخذ على الدكتور قوله أن مسالة شروط أهل الشورى ليست في جوهرها مسالة دينية أو فقهية أو قانونية إنما هي مشكلة اجتماعية سياسية يتقرر فيها الرأي أساس بناء على ما تقتضيه ظروف البيئة الاجتماعية والسياسية في زمان ما ومكان ما . وقد اعترض على هذا الرأي على أساس عدم التسليم به على إطلاقه لان العنصر الأخلاقي عنصر دائم في الإسلام .
ولكن الشروط التي قال بها علماء المسلمين من المرونة بحيث تسري في كل زمان ومكان إذ أنها تمثل أساسا في العدالة التي هي الأخلاق الدينية الفاضلة والعلم بمتطلبات المهمة المنوطة بالعضو والرأي المفضي إلى اتخاذ القرار السليم . ومن ثم فإن لولاة الأمر أن يفصلوا هذه الشروط وان يزيدوا عليها دون أن يمسوا بجوهرها . فلهم اشتراط مؤهل معين أو بلوغ سن معينة أو غير ذلك .
والجدير بالذكر : (( أن علماء الشريعة الإسلامية لم يشترطوا نصاباً مالاً معيناً ، واستبعدوا غير المثقف لأنهم يكون غير قادر على الاختيار )) ويرى البعض جوزا أن يكون من بين أولي الأمر من هم على غير دين المسلمين خاصة من أهل الكتاب : (( لأنهم يستطيعون أن يكونوا خبراء أهل تخصص في كثير من فروع النشاط المختلفة كغيرهم من إخوانهم المسلمين )) ومع أن هذا الرأي قد استشهد بالقران الكريم الذي احل لنا طعامهم أباح لنا التزوج منهم ، إلا انه قد بنى رأيه على ما وصل إليه العصر الحديث من تقرير لحقوق الإنسان التي لا تأتي باختلاف الجنس أو اللغة أو الدين . ونحن وان جاز لنا أن نجاري هذا الرأي في النتيجة التي يرمي إليها إلا أننا لا نتفق معه في الأساس الذي اعتمد عليه لأننا لو سلمنا معه بان مبادئ حقوق الإنسان التي وصل إليها العصر الحديث هي التي تجيز لنا هذا الاستثناء لكان معنى ذلك – بمفهوم المخالفة – أن شريعتنا الإسلامية لا تجيز هذا وإننا قد تلمسناه في غيرها وهذا ما يناقض روح الشريعة الإسلامية وسوابقها العملية فالتسامح الإسلامي الذي يكفل حرية الاعتقاد وحرية إقامة الشعائر والعبادات وإبداء الرأي والمساواة ، وهي جماع الأصول التي قامت عليها الديمقراطيات الحديثة وجاع المبادئ التي تضمنها إعلان حقوق الإنسان ، قد سبق العمل بها في مراحل الخلافة الإسلامية والتي يشير إليها بحث متخصص في هذا الشأن . (( فقد تولى كثير من المسيحيين المناصب الكبرى في العصر العباسي فتولى أبو إسحاق الصابي منصب الكاتب ( الوزير ) وكان من أسمى المناصب ، كما كان نصر بن هارون وزير عضد الدولة مسيحياً ، وتولى الأقباط المصريون في ظل الحكومة الإسلامية المناصب الكبيرة ومعظم الوظائف الإدارية ، ففي عصر عبدا لعزيز بن مروان كان هناك كاتبان أحدهما لإدارة مصر العليا أي الوجه القبلي ، والآخر لإدارة مصر السفلى أي الوجه البحري ، كما تولى الأقباط مناصب ولاة الأقاليم فقد ذكر أن مسيحياً تولى حكم الإسكندرية في عهد الخليفة يزيد .
وبذلك نستطيع القول بان التسامح الإسلامي وسوابقه العملية التي ساعدت على انتشار ومكنت لحكمه في فتوحاته الواسعة يجيز أن يكون من بين أهل الشورى من هم على غير ديننا من إخواننا من أهل الكتاب ماداموا مستوفين

للشروط الأخرى وذلك لأسباب أهمها :

1. أنهم يمثلون نسبة من المواطنين لهم مالنا وعليهم ما علينا .

2. أنهم أهل خبرة وتخصص في كثير من نشاطات الحياة المختلفة كغيرهم من إخوانهم المسلمين .
3. أن نسبتهم غالباً ما تكون ضئيلة فلا يخشى منها في اتخاذ قرار .
4. أن ذلك يقطع السنة من يريدون تجريح الإسلام والنيل منه ، ويوصد الباب أما من يتلمسون أسانيدهم بعيدا عن روحه وأصوله .

شروط أهل الشورى من حيث الكم :

تكلم علماء السلف عن أهل الشورى عند بحثهم للعدد المطلوب لصحة عقد الإمامة من أهل الحل والعقد ، أو أهل الاختيار ويبدوا أن الماوردى قد أجمل الأقوال السابقة عليه والمعاصرة له بقوله: (( اختلف العلماء في عدد من تنعقد به الإمامة منهم على مذاهب شتى فقالت طائفة لا تنعقد إلا بجمهور أهل الحل والعقد من كل بلد ليكون الرضا به عاما ً والتسليم لإمامته إجماعاً )) ثم يعقب على ذلك بقوله : وهذا رأى مدفوع ببيعة أبى بطر الصديق رضي الله عنه على الخلافة باختيار من حضرها ولم ينتظر قدوم غائب عنها . وقالت طائفة اقل تنعقد به الإمامة خمسة يجتمعون على عقدها أو يعقدها أحدهم برضا الأربعة استدلالا بأمرين ، أحدهما : أن بيعة أبى بكر رضي الله عنه انعقدت بخمسة اجتمعوا عليها ثم تابعهم الناس فيها وهم عمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح ، وأسيد بن حضير ، وبشير بن سعد ، وسالم مولى ابن حذيفة . والثاني : أن عمر رضي الله عنه جعل الشورى في ستة ليعقدها أحدهم برضا خمسة . وهذا قول أكثر الفقهاء والمتكلمين من أهل البصرة . وقد قال آخرون من علماء الكوفة تنعقد بثلاثة يتولاها أحدهم برضا الاثنين ليكونوا حاكماً وشاهدين كما يصح عقد النكاح بولي وشاهدين . وقالت طائفة تنعقد بواحد لأن العباس قال لعلي رضوان الله عليهما . امدد يدك أبايعك فبقول الناس عم رسول الله صلى الله عليه وسلم بايع ابن عمه فلا يختلف عليك اثنان . و لأنه حم وحكم الواحد نافذ )) .

وقد ذهب أبو بكر الأصم إلى أن الإمامة لا تنعقد إلا بإجماع الأمة عن بكرة أبيهم . وهذا أيضا ما نقل عن هشام بن عمر القوطي الذي قال أن الإمامة لا تنعقد في أوقات الفتنة والخلاف .
وقال الثوبانية من المرجئة أن الإمامة لا تثبت إلا بإجماع الأمة . وكان سليمان بن جرير الزيدي الشيعي يقول أن الإمامة شورى فيما بين الخلق ويصح أن تنعقد بعقد رجلين من خيار المسلمين .
ويظهر مما حكاه ابن خلدون أن هذا كان رأي الصحابة الذين اعترضوا على مبايعة علي لافتراق باقي الصحابة أهل الحل والعقد بالآفاق ولم يحضر إلا قليل .
وعند الشافعية أن اقل عدد يمكن أن تعقد به الإمامة أربعون قياساً على ما تصح به صلاة الجمعة.
ونستطيع أن نحصر آراء العلماء في الاتجاهات التالية :
اتجاه يرى أن اختيار الإمام لابد أن يكون بإجماع الأمة عن بكرة أبيها وهو بهذا يشبه الديمقراطية المباشرة .
واتجاه يرى أن الإمامة لا تنعقد إلا باتفاق أهل الحل والعقد من كل بلد وهذا يشبه الديمقراطية النيابية .
والاتجاه الثالث هو الذي يحاول تحديد أهل الاختيار بعدد محدد قياساً على بعض العقود والأحكام .
وقد انفرد الإمام مالك باعتبار أهل الحل والعقد هم أهل الحرمين مكة والمدينة . وحدهم القلانسي بعلماء الأمة الذين يحضرون موضع الإمام .

وكل هذه الاتجاهات تنصب أساساً على أهل الحل والعقد باعتبارهم هيئة اختيار الإمام أو الخليفة .وتنوع هذه الاتجاهات إنما يدل دلالة قاطعة على ثراء الفقه الإسلامي وشموله واتساعه بحيث تستطيع كل بيئة ويستطيع كل عصر أن يأخذا منه ما يناسب كل منهما خاصة فيما يتعلق بتنصيب الحاكم الأعلى للدولة (*) .

(*) د. زكريا عبد المنعم ابراهيم الخطيب ، ص 53 – 66 .


الخاتمة :

تناولت في بحثي هذا عن الشورى وتوصلت إلى عدة نتائج أراء من خلال اختياري لهذا الموضوع :



1. في المشاورة فوائد عديدة منها : تأليف قلوبهم وإشاعة المودة بينهم نتيجة للمشاورة ، و تعويد المسلمين على هذا النهج في معالجة الأمور لآن الرسول عليه السلام الأسوة الحسنة لهم , فإذا كان يلجأ إلى المشاورة فهم أولى أن يأخذوا بها .

2. ذكرت في القران سوره اسمها الشورى وفي هذه السورة يبين الله تعالى أن الشورى هي إحدى الدعائم الهامة التي يقوم عليها المجتمع الإسلامي وما حملت السورة هذا الاسم إلا لبيان العناية بالشورى والتنبيه إلى عظيم أهميتها .

3. يرى فقهاء الإسلام المعاصرين أن أهل الشورى هم الهيئة التي تنوب عن الأمة في مباشرة سلطات السيادة من اختيار وتشريع ورقابة ويعرفونهم بتعريفات تتفق في المدلول وتختلف في التفصيل .

4. يرى الشيخ محمود شلتوت أن من صفات أهل الشورى : (( أن يكونوا من أهل العلم والبصر بأمور الدين والدنيا ومن ذوي الرأي والخبرة في نواحي
الحياة المختلفة )).

5. يجيز أن يكون من بين أهل الشورى من هم على غير ديننا من إخواننا من أهل الكتاب ماداموا مستوفين للشروط الأخرى وذلك لأسباب أهمها :

‌أ- انهم أهل خبرة وتخصص في كثير من نشاطات الحياة المختلفة كغيرهم من إخوانهم المسلمين .
‌ب- انهم يمثلون نسبة من المواطنين لهم مالنا وعليهم ما علينا .

وأتمنى أن أكون قد وفقت في اختيار هذا الموضوع .


المصادر والمراجع :

1. د. زكريا عبد المنعم إبراهيم الخطيب , نظام الشورى في الإسلام ونظم الديمقراطية المعاصرة . مطبعة السعادة , 1405- 1985 م ,ص16-18 .
2. د . يعقوب محمد المليجي ، مبدأ الشورى في الإسلام ، مؤسسة الثقافة الجامعية ، الأسكندرية ، ص 83-93 .
3. علي محمد لاغا ، الشورى والديمقراطية ،المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع ، الطبعة الأولى ، 1403ه- 1983م ، ص16- 18 .


رد مع اقتباس
قديم 06-18-2010, 01:45 AM   رقم المشاركة : 2
الكاتب

OM_SULTAN

المشرف العام

OM_SULTAN غير متواجد حالياً


الملف الشخصي








OM_SULTAN غير متواجد حالياً


رد: الشوري في الأسلام


الـشـورى فى الشريعة الإسلامية


تمتاز الشورى فى الإسلام بالشمول حيث لا يقتصر ذلك على حق الأفراد فى المشاركة فى
القرار الملزم الصادر عن الجماعة ، بل تتجاوز ذلك إلى المشورة الاختيارية واستشارة أهل الخبرة .
لقد درج الكثيرون على اعتبار الشورى مبدأ يقوم عليه نظام الحكم ، بينما يجب اعتبارها
نظرية عامة شاملة تقوم عليها حرية الأفراد ، وحقوق الشعوب ، وتضامن المجتمع .
من هنا أتى هذا البحث فى أطروحته حول الشورى ، عارضا لها من الناحية اللغوية .
متأنيا عند الشورى فى القرآن الكريم ، حيث ذهب البحث إلى أن الشورى واجبة بنص
القرآن الكريم ، عارضا لآراء الباحثين فى هذا المجال ، حيث ذهب فريق من العلماء إلى
أن الشورى غير ملزمة ، مناقشا كل ذلك فى ضوء القواعد الأصولية .
كما استضاء البحث بما ورد فى السنة النبوية المطهرة فى موضوع الشورى ، سواء
فى السنة القولية أو الفعلية ، كما عرض للشورى فى عهد الصحابة .
وانتهى من ذلك إلى استخلاص وجوب الشورى فى الشريعة الإسلامية .
ثم انطلق البحث بعد ذلك إلى استعراض خصائص الشورى فى الإسلام ، فالشورى
استجابة لله تعالى ، كما أن الشورى فريضة إسلامية ، وجزء من طبيعة نظام الحكم
الإسلامى ، يتضح ذلك من خلال المواقف العديدة للنبى e والخلفاء الراشدين من بعده .
وقد اعتنى البحث ببيان مجال الشورى ، وأنها لا دخل فى الأحكام الشرعية لأنها منزلة من عند الله تعالى .
كما اعتنى ببيان علاقة الشورى بالسلطتين التنفيذية والتشريعية ، وأكد على أن التشريع يختلف عن
الشورى ، وأن أهل الشورى غير أهل التشريع ، وليس كما يبدو للبعض من أنهما واحد .
ثم يحاول البحث أن يجيب عن السؤال الذى يطرح نفسه دائما :
هل أتى الإسلام بنظام محدد للشورى .
وتأتى الإجابة البحث بالنفى ، فالنبى e لم يضع نظاما محددا للشورى ، لأن ذلك
يختلف باختلاف أحوال الأمة الاجتماعية والزمانية والمكانية ، وإنما أتى الإسلام بمبادئ
مقررة ومحددة ، وترك تطبيقها وتنفيذها لمقتضيات كل عصر .
واهتم البحث بالحديث عن أهل الشورى وبيان صفاتهم ، والفرق بينهم وبين أهل الاجتهاد
(التشريع) ، والفرق بينهم أيضا وبين أهل الحل والعقد .
كما رأى البحث تقسيم أهل الشورى إلى : أهل الشورى العامة ، وأهل الشورى الخاصة .



مقدمة
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين ، وبعد :< xml="true" ns="urn:schemas-microsoft-com:office:office" prefix="o" namespace="">

فالشورى : القرار الملزم الصادر من الجماعة .

والشورى تعلق بكل ما يخص نظم الجماعة سواء المتعلقة بشئونها الاجتماعية أم
السياسية أم التنظيمية أم المالية ، وليست الشورى خاصة بالشئون السياسية وحدها .

ومن جهة أخرى فإن حق الفرد فى الشورى نابع من حريته وحقوقه الإنسانية التى
يستمدها من فطرته الآدمية ، ومن شريعة الله تعالى .

والمشورة والاستشارة : هى تبادل الرأى فى غير إلزام . ويدخل فى المشورة والاستشارة :
النصيحة ، والفتوى ، والاستشارة العلمية والقانونية .

وقد تستعمل الشورى بهذا المعنى الأخير أيضا ، فيكون لها معنيان أحدهما خاص
عرفى يستعمل أساسا فى المجال السياسى . والآخر واسع وعام يستعمل فى كافة المجالات .

الشورى - على الرأى الراجح كما سيأتى - ملزمة ، أما المشورة والاستشارة فهى اختيارية .

وتمتاز الشورى فى الإسلام بالشمول حيث لا يقتصر ذلك على حق الأفراد فى المشاركة فى القرار
الملزم الصادر عن الجماعة ، بل تتجاوز ذلك إلى المشورة الاختيارية واستشارة أهل الخبرة وتبادل
النصيحة ، حيث يندب الإسلام الجميع إلى الاستشارة والتناصح قبل الإقدام على الأمر سواء تعلق
بالفرد أو الجماعة ، فالشورى شعيرة إسلامية مندوب لها الجميع لتدريب الأفراد والجماعات على
تبادل الرأى بحرية كاملة واحترام متبادل .

لقد درج كثيرون على اعتبار الشورى مبدأ يقوم عليه نظام الحكم ، ويقيد سلطة الحكام ، بينما
يجب اعتبارها نظرية عامة شامة للمبادئ التى تقوم عليها حرية الأفراد ، وحقوق الشعوب ،
وتضامن المجتمع فى جميع النواحى السياسية والاجتماعية والمالية والاقتصادية وغيرها .

فالشورى فى الإسلام مبدأ إنسانى أولا ، واجتماعى وأخلاقى ثانيا ، ثم هى قاعدة دستورية
لنظام الحكم ، ولذلك فإن نطاق تطبيقها واسع شامل .

كما أن النظرية العامة للشورى تشمل تطبيقها فى مجال الفقه ، ولا يخفى ما للإجماع
والاجتهاد من دور فى استنباط الأحكام الشرعية ، ولا تقل أهمية الشورى فى هذا المجال
عن أهميتها فى المجال السياسى .

ويمكننا أن نصف شريعتنا بأنها شريعة الشورى بالقدر نفسه الذى نصفها بأنها شريعة
السماء ، فالشريعة الإسلامية كما أنها شريعة إلهية من حيث مصادرها السماوية ، فإنها
تعتمد أيضا على مصادر اجتهادية كالإجماع والاجتهاد اللذين يعتمدان على الشورى .

والمنبع الإلهى للشريعة يفرض سيادة الشريعة على المجتمع والدولة ، وما دامت الشريعة
هى التى فرضت الشورى ، فإن الشورى تكون أسمى من الدولة ، وبذلك تحررنا من
فلسفات الفقه الأوربى الذى يجعل الدولة صاحبة سلطة التشريع الوضعى الذى يمكن للحكام
اتخاذه وسيلة لتحكم فى حريات الأفراد وحقوقهم بحجة أن القانون
الوضعى هو إرادة الدولة التى يمثلونها .

إن استقلال الشريعة كان معناه دائما استقلال الشورى الفقهية والعلمية ، فلما تتدخل
النظم السياسية طوال تاريخنا فى الشورى الفقهية ، ولا تستطيع ذلك لاستقلال الشريعة
، وهذا يدل على أن اتهام دول الخلافة الناقصة بأنها عطلت الشورى فيه بعض الغلو ،
لأنه يجب إنصافهم بالاعتراف لهم باحترام مبدأ الشورى فى الفقه ، ولم يتدخلوا فى
التشريع كما تفعل الدول العصرية اليوم ، ولم يدع أحد منهم سلطة التشريع التى تدعيه
اليوم النظم الحاكمة فى أصغر الدول .

ويجب أن نعترف بأن الذى مكن المة من إلزامهم بذلك هو تمسكها بالطابع السماوى
الإلهى للشريعة ، الذى يحرم الحكام من سلطة التشريع ، ولا ننسى أن الفقه الإسلامى
يقصر عمل الحكومة فى نطاق السلطة التنفيذية .
ولهذا فى الفقه الدستورى الإسلامى يقوم على مبدأ سيادة الشريعة واستقلالها وهيمنتها
على المجتمع والدولة ، ومن ثم فكل عرض لأصول الحكم فى الإسلام لا يكون صحيحا
إلا فى ضوء استقلال الشريعة وحمايتها لحقوق الإنسان ، وحرية الشورى فى افقه التى
هى حصن حقوق الإنسان وحرية العوب وسلطانها ، فاستقلال الشريعة وحرية الشورى
الفقهية هما محور النظام الإسلامى وليست أحكام الإمامة أو الخلافة التى نجدها
فى كتب الفروع الفقهية .
ولقد رسمت الشرعية الإسلامية حدودا للشورى ليس لها أن تتجاوزها ، وهى حدود ثابتة
خالدة طالما بقى الإسلام وبقيت شريعته ، بخلاف الديمقراطية فإنها لا تعرف الحدود الثابتة .
بخلاف الشورى حيث هناك ثوابت لا يمكن تجاوزها بدءا من وجوب سيادة الشرعية ،
واستقرار ما يعرف بالمعلوم بالدين بالضرورة مما لا يجوز تغيره ، ولا التنكر له ،
والفواصل القاطعة بين الثابت الذى لا يمكن تغييره ، والمتغير القابل للاجتهاد والتغيير ،
ففى الإسلام ليس كل شىء مطروحا للنقاش .

فارتباط الشورى بالشريعة يجعلها خاضعة لمبادئها الأخلاقية الثابتة ، وملتزمة بسيادة
الشريعة ، وأصولها وشمولها .

ومن هنا فإن الشورى شرعية ، أى : قررها الشرع ، وهى ملتزمة به .

ومن هنا أيضا فإن الشورى ليست تشريعا مستقلا ، بل منضبط بالشريعة الإسلامية .

والشورى بذلك هى الحصن الذى يجب أن تحتمى به أصول نظم الحكم الإسلامية ،
وخاصة فى عصرنا الحاضر بعد أن خرجنا من ظل العظمة الواقعية التى كانت أظلتنا
بها ضخامة دولة الخلافة الموحدة ، حينما كانت صورتخا العملاقة تخفى عن الناس
نقصها الناتج عن انحراف الحكام عن تطبيق مبدأ الشورى فى اختيار الحكام ، كما
أن هذه الانحرافات ما زالت تخفى عن بعض الباحثين أن حضارتنا التزمت فعلا
بحرية الشورى فى الفقه والعديد من المجالات فى جميع عصور الخلافة الناقصة
التى سادت العالم الإسلامى بعد عهد الراشدين .

وإذا كانت عظمة دول الخلافة الناقصة قد صرفت جماهيرنا عن مقاومة الانحرافات
التى شابت نظم السلاطين ، الذين استولوا على الحكم بغير الشورى ، فإن بُعْد دول
الخلافة الناقصة عن الشورى قد صرف بعض الباحثين المعاصرين عن أهم مزايا تلك
النظم الناقصة ، وهو عدم ادعائها سلطة التشريع ، وحصر سلطتها فى تنفيذ الشريعة
، وعدم تعطيلها للشورى الحرة فى الاجتهاد والإجماع ، وهذا أهم ما يميز تلك النظم
عن النظم الوطنية المعاصرة التى تأثرت بالمبادئ
الغربية ، وجعلت التشريع سلطة من سلطات الدولة ، دون تقيد بأصول الشريعة ومصادرها .

إن ما حققته الحضارة الإسلامية من قوة وعظمة فى عهود الخلفاء والسلاطين الذين
يوصفون اليوم بالاستبداد سببه التزامهم بمبدأ سيادة الشريعة ، ونجاح الأمة وعلمائها
فى فرض حرية الفقه عليهم ، مما جعل استبداد الحكام فى الماضى لا يصل إلى ما وصل
إليه طغيان حكام اليوم ، الذين يستخدمون سلطة التشريع الوضعى وسيلة ضد حقوق الأفراد
وحرياتهم ، وبقوة القانون .

بينما يشهد الواقع المعاصر أن أكثر الدول تباهيا بديمقراطيتها هى أكثر الدول عدوانا

وفسادا فى الأرض ، ويتم ذلك بقرارات ديمقراطية جدا ، وبعد تشاور حر يرضى أهواءهم
ومصالحهم دون التزام بمبدأ إلهى أو أخلاقى أو إنسانى .

إن الإسلام عندما فرض الشورى بعد ختم رسالة الأنبياء جميعا قد اعتبر أن الإنسانية قد بلغت
رشدها ، ووصلت بها إلى الرقى الاجتماعى الذى يمكن الشعوب من تقرير مصيرها وإدارة شوؤنها .

إن تقرير مبدأ الشورى فى القرآن الكريم كان إيذانا بعهد جديد لفنسانية الرشيدة ، تقيمه الشورى
على أساس حق الشعوب فى تقرير مصيرها ، ولذلك فالإسلام يوجب الشورى فى جميع
جوانب حياة المجتمع.

والشورى فى الإسلام ليست نظرية سياسية وحسب ، أو قاعدة لدستور الحكم ، بل إنها
الأساس الشرعى لنظام المجتمع ، الذى يلتزم بحقوق الإنسان ، وسلطان الأمة
، والتضمان الاجتماعى .

لذلك فإن دراسة الشورى ليست محدودة فى نطاق نظام الحكم الإسلامى ، ولا المبادئ
السياسية العامة التى تقيد سلطة الحكام ، كما هو الشأن فى النظريات الديمقراطية التى
تحصرها الدراسات العصرية فى نطاق العلوم السياسية أو القوانين الدستورية أو نظام الدولة .

بل الشورى أعمق من ذلك وأوسع نطاقا ، فكما تستمد منها الأمة وحدتها وسلطانها يستمد
منها المجتمع تضامنه وتكافله .

كما أن مبدأ الشورى فى شريعتنا يلتزم بأهم أصول الشريعة ، وهو : استقلال الشريعة
عن الحكم والحكام ، وتطبيق هذا الأصل يستوجب أن تكون الشورى فى نطاق الفقه هى
تبادل للرأى مستقل ومنفصل عن الشورى فى مجال السياسة ، مما يعنى أن تقلبات السياسة
التى قد تعطل الشورى فى مجالها ، لا تنعكس بالضرورة على الشورى فى نطاق الفقه ؛
وهذا ما حمى فقه الشريعة طوال التاريخ الإسلامى من آثار انحراف نظم الحكم عن الالتزام
بالشورى السياسية ، فتاريخنا الإسلامى لم يشهد ما نراه اليوم فى النظم الوضعية التى
يستطيع فيها من يستولى على السلطة أن يغير الدساتير والقوانين ، ولا يكتفى بتغيير نظام
الحكم ، والتحكم فى الإدارة والجيش .
وأساس الشورى : كيان الجماعة وحقوقها ومسئوليتها مستمد من تضامن مجموع الأفراد
، ومبدأ الشورى يعنى أن كل قرار ينسب للجماعة يجب أن يكون تعبيرا عن إرادة جمهور
الجماعة ، أو مجموع أفرادها بشرط أن يتمتع الجميع بحرية كاملة فى المعارضة
والمناقشة ، بل والامتناع أيضا .
فأساس الشورى أن حرية الفرد فى الجماعة تعطيه حقه الفطرى فى المشاركة فى كل
ما يخص الجماعة ، فالحرية حق أساسى لجميع الأفراد ، ولهم حق ممارسته على قدم المساواة
، والمساواة لا يمكن أن يتمتع بها الجميع إلا بالعدالة .
ولهذا فالشورى لا بد أن تستند إلى العدالة التى تقيم توازنا دقيقا بين حرية الأفراد والجماعات
من ناحية ، وبين وجود سلطة عامة .
وبذلك تكون الشورى ميزانا تمثل الحرية إحدى كفتيه ، والسلطة والحكم الكفة المقابلة لها
، وتركتز كلتاهما على محور شرعى ثابت من أصول الشريعة مبادئها ، ولا يمكن للسلطة
أن تفرض قيودا على الحريات....
والفهم العميق الشامل لمبدأ الشورى ليس مصدره مجرد اجتهاد فقهى ، أو نظرية مبتكرة
، بل تفرضه نصوص صريحة قاطعة فى القرآن الكريم .

ومن جهة أخرى فإن الشورى ليست هدفا لذاتها ، وإنما هى مشروعة فى الإسلام
كوسيلة لتحقيق العدل ، وتنفيذ مقاصد الشريعة . وقد تميزت شريعتنا بأنها تربط الشورى
بالعقيدة والشريعة {الذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم} .

والأخذ بمبدأ الشورى يعنى حرية الفكر والرأى والكتابة والنشر والإعلام ، وهذا يستلزم
القضاء على احتكار الدولة ومؤسساتها للصحافة والإعلام بوسائله المتعددة .

إن النظرة الشاملة للشورى فى مجال الفقه والحكم فى شريعتنا تكشف لنا أن للشورى
دورها الخطير فيما يتعلق بحريات الأفراد وحقوق الإنسان ؛ لأنها تجعل الفرد - وليس الحكومة
- هو صاحب الدور الأول فى المجتمع الملتزم بالشورى ، سواء فى التشريع أو فى السياسة
، فالفرد هو الذى يقوم بالاجتهاد فى الفقه ، وهو الذى يفوض أهل الحل والعقد لكى يمثلوا
الأمة ، فالفرد يمارس السلطات الإنسانية فى المجتمع ، وإذا كان لا بد من كيان أكبر من الفرد
تنسب إليه السلطة والولاية فهو الأمة ، التى هى مكونة من مجموع الأفراد ، فالأمة هى صاحبة
السلطان ، والشورى هى إرادة الأمة([1]).


الشورى فى اللغة

الشورى مصدر شاورته ، مثل البشرى والذكرى ونحوه .
والمَشْوَرة والمَشُورة : الشورى .
تقول شاورته فى الأمر واستشرته وهما بمعنى .
والاستشارة مأخوذة من قول العرب : شرت الدابة ، وشورتها إذا علمت خبرها بجرى أو غيره .
ويقال للموضع الذى تركض فيه الدابة : مشوار .
وقد يكون من قولهم : شرت العسل واشترته فهو مشور ، ومشار ، إذا أخذته من موضعه .
وقد يكون من قولهم : شار الخيل شورا ، راضها ، أو ركبها عند العرض على مشتريها ،
أو بلاها لنيظر ما عندها ، أو قلبها . فكأن المشورة على الرأى تقليب لوجوه النظر ، وترويض له .
وأشار عليه بكذا : أمره ، وهى الشورى .
واستشاره : طلب منه المشورة .

وقال حكيمهم :

برأى لبيب أو مشورة حازم
إذا بلغ الرأى المشورة فاستعن

فإن الخوافى قوة للقوادم
ولا تجعل الشورى عليك غضاضة

وقال بعض العقلاء : ما أخطأت قط ! ، إذا حزبنى أمر شاورت قومى ففعلت الذى يرون ،
فإن أصبت فهم المصيبون ، وإن أخطأت فهم المخطئون([2]).
الشورى فى القرآن الكريم
أوجب الله سبحانه وتعالى الشورى على الأمة فى آيتين ، ورد فيهما النص صريحاً
على وجوب اتباع هذا المبدأ .
فالنص الأول جاء فى صورة أمر للرسول e ، فمن باب أولى تكون أمته مأمورة به .
والثانى بَيَّن أن من صفات المؤمنين الأساسية أنهم يتصرفون فى الأمور ، ويقررون
الآراء ، بالتفاهم والمشاركة وتبادل الرأى : أى بالشورى([3]) .
ومن ناحية أخرى فقد حفل القرآن الكريم بالشورى ، وجعلها عنصرا من العناصر التى
تقوم عليها الدولة الإسلامية ، ففى الكتاب الكريم سورة عرفت باسم ((سورة الشورى))
، وقد سميت بذلك ؛ لأنها السورة الوحيدة التى قررت الشورى عنصراً من عناصر الشخصية
الإيمانية الحقة ، ونظمتها فى عقد حياته : طهارة القلب بالإيمان ، والتوكل ،
وطهارة الجوارح من الإثم
والفواحش ، ومراقبة الله بإقامة الصلاة ، وحسن التضامن بالشورى ، والإنفاق
فى سبيل الله ، ثم عنصر القوة بالانتصار على البغى والعدوان([4]) .

وجدير بالذكر أن الاتفاق على تسمية هذه السورة بسورة الشورى يحوى أهمية
الشورى كأساس من أسس التعايش بين المؤمنين فى المجتمع المسلم على جميع المستويات([5]) .

وهاتان هما الآيتان :

الآية الأولى : قوله تعالى : {فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من
حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم فى الأمر}([6]) .
هذه الآية كما هو معروف نزلت بعد غزوة أحد وبمناسبتها . ذلك أن الرسول عليه الصلاة
والسلام كان قد استشار أصحابه فيما يفعل ، فأشار الشباب ومن لم يحضر بدراً بالخروج
لملاقاة جيش الأعداء ، وأشار بعض الصحابة بأن يتحصن المسلمون بالمدينة ، وأن يتولوا
الدفاع من دورها وحاراتها . وكان الرسول عليه الصلاة والسلام يميل إلى هذا الاتجاه ،
ولكن الاتجاه الأول حظى بتأييد أغلبية المسلمين ، وبخاصة من لم يحضروا بدراً رجاء أن
ينالوا ما ناله البدريون من شرف ، وخرج الرسول e بالمسلمين إلا أن الهزيمة كانت من نصيبهم .
ومع هذا نزلت الآية الكريمة { فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم فى الأمر} ، أى : لا يحملنك
ما كان من نتائج المشاورة على أن تتركها بل شاورهم فى الأمر .

وهذا يدل على أن الله سبحانه وتعالى يريد أن تكون سياسة المسلمين قائمة على مبدأ
الشورى فلا يستبد بها فرد([7]) .

وقال ابن جرير فى تفسيره : ((وأولى الأقوال بالصواب أن يقال ان الله عز وجل
أمر نبيه بمشاورة أصحابه فيما حزبه من أمر عدوه تألفاً منه بذلك من لم تكن بصيرته
بالإسلام البصيرة التى يؤمن عليه من فتنة الشيطان ، وتعريفا منه أمته باقى الأمور التى
تحزبهم من بعده ، ومطلبها ليقتدوا به عند النوازل التى تنزل بهم ، فيتشاوروا فيما بينهم

كما كان فى حياته e يفعله ، فأما النبى
فإن الله كان يعرفه مطالب وجوه ما حزبه من الأمور بوحيه وإلهامه إياه صواب ذلك ،
وأما أمته فإنهم إذا تشاوروا مستنين بفعله فى ذلك على تصادق ، وتآخ للحق ، وإرادة
جميعهم للصواب من غير ميل إلى هوى ولا حيدة عن هدى ، فإن الله مسددهم وموفقهم([8]) .
وقد قال بهذه الرأى كذلك الحسن إذ يقول : قد علم الله أنه ما به إليهم حاجة ، ولكنه أراد
قاعدة شرعية لما أمر الله بها .
وينقل القرطبى([9]) فى هذه الآية أربعة أقوال :
أحدها : أنه أمر بمشاورتهم فى الحروب ليستقر لهم الرأى الصحيح . قال الحسن :
ما تشاور قوم قط إلا هدوا لأرشد أمورهم .
والثانى : أنه أمر بمشورتهم تألفاً لهم ، وتطييباً لأنفسهم ، قاله قتادة .
والثالث : أنه أمر بمشورتهم لما علم فيها من الفضل ، قاله الضحاك .
والرابع : أنه أمر بمشورتهم ليستن به المسلمون ، ويتبعه المؤمنون وإن كان عن مشورتهم
غنيا ، قاله سفيان . قال : وحمل ابن عباس هذه المشاورة على المناظرة عند القتال فأمره
بمناظرتهم ليتبين لهم الصواب ، فعدل بها عن ظاهرها ، وجعل مشاورته لهم مشورة منه عليهم .
وقال صاحب الكشاف([10]) : {فى الأمر} : أى فى أمر الحرب ونحوه ، مما لم ينزل عليك فيه وحى
، لتستظهر برأيهم ، ولما فيه من تطييب نفوسهم ، والرفع من أقدارهم . وعن الحسن k :
قد علم الله أنه ما به إليهم حاجة ، ولكنه أراد أن يستن به من بعده .
وعن النبى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم : ما تشاور قوم قط إلا هدوا لأرشد
أمرهم . وعن أبى هريرة k :
((ما رأيت أحداً أكثر مشاورة من أصحاب الرسول e)) .
وقال الرازى([11]) فى تفسيره مثل هذا ، ومما جاء فى كلامه أن المشاورة مأخوذة من قولهم :
شرت العسل أشوره : أخذته من موضعه ، واستخرجته . ثم بين وجوه الفائدة من
أمر الله سبحانه رسوله بالشورى . ومن هذه الوجوه ما رواه عن الحسن
وسفيان بن عيينة أنهما قالا : ((إنما أمر (أى الرسول e) بذلك ليقتدى به غيره
فى المشاورة)) وأشار إلى معنى دقيق ، هو أن هذه الآية الكريمة نزلت عقب ما ابتلى به
المسلمون يوم أحد ، ومع أن ما وقع فى ذلك اليوم قد أبان أن رأى من أشار على الرسول
e بالخروج لم يكن صواباً ، فإن الله سبحانه وتعالى قد أنزل الأمر بالعفو عنهم ومشاورتهم
أيضاً : أى أن الأمر هو أمر بالاستمرار فى مشاورتهم ، بالرغم مما ظهر من خطأ رأيهم ،
وهذا يؤكد أهمية الشورى ، وبين مقدار عناية الدين بها . ومن الوجوه التى ذكرها المفسر
أيضاً أن الرسول e أمر بالشورى ، لا لأنه محتاج إلى آراء من يستشيرهم ، ولكن لأجل أنه
إذا شاورهم فى الأمر اجتهد كل واحد منهم فى استخراج الوجه الأصلح ، فتصير الأرواح
متطابقة متوافقة على تحصيل أصلح الوجوه فيها . ثم قال : ((وتطابق الأرواح الطاهرة
على الشىء الواحد مما يعين على حصوله . وهذا هو السر عند الاجتماع فى الصلوات ،
وهو السر فى أن صلاة الجماعة أفضل من صلاة المنفرد)) .
ويرى بعض الباحثين أن النص فى الآية جاء فى صورة أمر للرسول e فمن باب
أولى أن تكون أمته مأمورة به([12]) .
تابع بقية البحث : الشورى فى الشريعة الإسلامية 2

([1]) راجع : الدكتور توفيق الشاوى ، فقه الشورى والاستشارة ، ص 7 - 27، بتصرف
، وتقديم وتأخير ، ط دار الوفاء ، ط1، 1412هـ/1992م .
([2]) الفيروزآبادى ، القاموس المحيط ، ص 379 ، مادة (ش و ر) ، ط دار الفكر .
القرطبى ، الجامع لأحكام القرآن ، م س ، 9/ص6080- 6081 ، دار الغد العربى ، 1990م .
([3]) ضياء الدين الريس ، النظريات السياسية الإسلامية ، ص232- 237 ، دار التراث ، ط 7 ، 1979 م .
([4]) فتحى عبد الكريم ، الدولة والسيادة ، ص345 ، مكتبة وهبة ، ط2 ، 1404هـ/ 1984م .
([5]) جمال أحمد المراكبى ، الخلافة الإسلامية ، ص 193 ، ط أنصار السنة المحمدية ، 1414هـ .
([6]) سورة آل عمران : الآية 159 .
([7]) د. أحمد شلبى : السياسة والاقتصاد فى التفكير الإسلامى ، ص57-58
، ط النهضة المصرية ، ط 2 ، 1967م .
([8]) الطبرى : جامع البيان عن تأويل آى القرآن ، القاهرة ، دار المعارف ، ج7 ص343 وما بعدها .
([9])القرطبى ، الجامع لأحكام القرآن ، ط دار الغد العربى ، 2/1594 ، وما بعدها ، ط 1990م .
([10]) الزمخشرى : الكشاف ج1 / 226 ، ((المكتبة التجارية)) ، 1354هـ .
([11]) الرازى : ((مفاتيح الغيب)) : ج3 . ص120 .
([12]) فتحى عبد الكريم ، الدولة والسيادة ، م س ، ص 348 .


رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع تقييم هذا الموضوع
تقييم هذا الموضوع:

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 04:35 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.4, Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir