عرض مشاركة واحدة
قديم 11-26-2016, 03:01 AM   رقم المشاركة : 4
الكاتب

OM_SULTAN

المشرف العام

OM_SULTAN غير متواجد حالياً


الملف الشخصي








OM_SULTAN غير متواجد حالياً


رد: قصة آدم عليه السلام أبو البشر

قصة صالح عليه السلام نبي ثمود[عدل]
وهم قبيلة مشهورة، يقال لهم ثمود باسم جدهم ثمود أخي جديس، وهما ابنا عاثر بن ارم بن سام بن نوح.
وكانوا عربا من العاربة يسكنون الحجر الذي بين الحجاز وتبوك وقد مر به رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ذاهب إلى تبوك بمن معه من المسلمين.
وكانوا بعد قوم عاد، وكانوا يعبدون الأصنام كأولئك.
فبعث الله فيهم رجلا منهم وهو عبد الله ورسوله: صالح بن عبيد بن ماسح بن عبيد بن حادر بن ثمود بن عاثر بن ارم بن نوح فدعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وأن يخلعوا الأصنام والأنداد ولا يشركوا به شيئا. فآمنت به طائفة منهم، وكفر جمهورهم، ونالوا منه بالمقال والفعال، وهموا بقتله، وقتلوا الناقة التي جعلها الله حجة عليهم، فأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر.
كما قال تعالى في سورة الأعراف: {وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم، واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوأكم في الأرض تتخذون من سهولها قصورا وتنحتون الجبال بيوتا فاذكروا آلاء الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين، قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه قالوا إنا بما أرسل به مؤمنون، قال الذين استكبروا إنا بالذي آمنتم به كافرون، فعقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين، فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين، فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين}.
وقال تعالى في سورة هود: {وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربي قريب مجيب، قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا وإننا لفي شك مما تدعونا إليه مريب، قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني منه رحمة فمن ينصرني من الله إن عصيته، فما تزيدونني غير تخسير، ويا قوم هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب قريب، فعقروها فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب، فلما جاء أمرنا نجينا صالحا والذين آمنوا معه برحمة منا ومن خزي يومئذ إن ربك هو القوي العزيز، وأخذ الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين، كأن لم يغنوا فيها ألا إن ثمود كفروا ربهم ألا بعدا لثمود}.
وقال تعالى في سورة الحجر:{ولقد كذب أصحاب الحجر المرسلين، وآتيناهم آياتنا فكانوا عنها معرضين، وكانوا ينحتون من الجبال بيوتا آمنين، فأخذتهم الصيحة مصبحين، فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون}.
وقال سبحانه وتعالى في سورة سبحان: {وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها وما نرسل بالآيات إلا تخويفا}.
وقال تعالى في سورة الشعراء:{كذبت ثمود المرسلين، إذ قال لهم أخوهم صالح ألا تتقون، إني لكم رسول أمين، فاتقوا الله وأطيعوني، وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين، أتتركون في ما هاهنا آمنين، في جنات وعيون، وزروع ونخل طلعها هضيم، وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين، فاتقوا الله وأطيعوني، ولا تطيعوا أمر المسرفين، الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون، قالوا إنما أنت من المسحرين، ما أنت إلا بشر مثلنا فأت بآية إن كنت من الصادقين، قال هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم، ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب يوم عظيم، فعقروها فأصبحوا نادمين، فأخذهم العذاب إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين، وإن ربك لهو العزيز الرحيم}.
وقال تعالى في سورة النمل: {ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا أن اعبدوا الله فإذا هم فريقان يختصمون، قال يا قوم لم تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة لولا تستغفرون الله لعلكم ترحمون، قالوا اطيرنا بك وبمن معك قال طائركم عند الله بل أنتم قوم تفتنون، وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون، قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله ثم لنقولن لوليه ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون، ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون، فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين، فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا إن في ذلك لآية لقوم يعلمون، وأنجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون}.
وقال تعالى في سورة حم السجدة: {وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى فأخذتهم صاعقة العذاب الهون بما كانوا يكسبون، ونجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون}.
وقال تعالى في سورة اقتربت: {كذبت ثمود بالنذر، فقالوا أبشرا منا واحدا نتبعه إنا إذا لفي ضلال وسعر، أؤلقي الذكر عليه من بيننا بل هو كذاب أشر، سيعلمون غدا من الكذاب الأشر، إنا مرسلو الناقة فتنة لهم فارتقبهم واصطبر، ونبئهم أن الماء قسمة بينهم كل شرب محتضر، فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر، فكيف كان عذابي ونذر إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة فكانوا كهشيم المحتظر، ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر}.
وقال تعالى: {كذبت ثمود بطغواها، إذ انبعث أشقاها، فقال لهم رسول الله ناقة الله وسقياها، فكذبوه فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها، ولا يخاف عقباها}.
وكثيرا ما يقرن الله في كتابه بين ذكر عاد وثمود، كما في سورة براءة وإبراهيم والفرقان، وسورة ص، وسورة ق، والنجم، والفجر.
ويقال أن هاتين الأمتين لا يعرف خبرهما أهل الكتاب، وليس لهما ذكر في كتابهم التوراة. ولكن في القرآن ما يدل على أن موسى أخبر عنهما، كما قال تعالى في سورة إبراهيم: {وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغني حميد، ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله جاءتهم رسلهم بالبينات} الآية. الظاهر أن هذا من تمام كلام موسى مع قومه، ولكن لما كان هاتان الأمتان من العرب لم يضبطوا خبرهما جيدا، ولا اعتنوا بحفظه، وإن كان خبرهما كان مشهورا في زمان موسى عليه السلام. وقد تكلمنا على هذا كله في التفسير مستقصي. ولله الحمد والمنة.
والمقصود الآن ذكر قصتهم وما كان من أمرهم، وكيف نجى الله نبيه صالحا عليه السلام ومن آمن به، وكيف قطع دابر القوم الذين ظلموا بكفرهم وعتوهم، ومخالفتهم رسولهم عليه السلام.
وقد قدمنا أنهم كانوا عربا، وكانوا بعد عاد ولم يعتبروا بما كان من أمرهم. ولهذا قال لهم نبيهم عليه السلام: {اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم، واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوأكم في الأرض تتخذون من سهولها قصورا وتنحتون الجبال بيوتا فاذكروا آلاء الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين} أي إنما جعلكم خلفاء من بعدهم لتعتبروا بما كان من أمرهم، وتعملوا بخلاف عملهم. وأباح لكم هذه الأرض تبنون في سهولها القصور، {وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين} أي حاذقين في صنعتها وإتقانها وإحكامها. فقابلوا نعمة الله بالشكر والعمل الصالح، والعبادة له وحده لا شريك له، وإياكم ومخالفته والعدول عن طاعته، فإن عاقبة ذلك وخيمة.
ولهذا وعظهم بقوله: {أتتركون في ما هاهنا آمنين، في جنات وعيون، وزروع ونخل طلعها هضيم} أي متراكم كثير حسن بهي ناضج. {وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين، فاتقوا الله وأطيعوني، ولا تطيعوا أمر المسرفين، الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون}.
وقال لهم أيضا: {يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها} أي هو الذي خلقكم فأنشأكم من الأرض، وجعلكم عمارها، أي أعطاكموها بما فيها من الزروع والثمار، فهو الخالق الرزاق، وهو الذي يستحق العبادة وحده لا ما سواه. {فاستغفروه ثم توبوا إليه} أي أقلعوا عما أنتم فيه وأقبلوا على عبادته، فإنه يقبل منكم ويتجاوز عنكم {إن ربي قريب مجيب}.
{قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا} أي قد كنا نرجو أن يكون عقلك كاملا قبل هذه المقالة، وهي دعاؤك إيانا إلى إفراد العبادة، وترك ما كنا نعبده من الأنداد، والعدول عن دين الآباء والأجداد ولهذا قالوا: {أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا وإننا لفي شك مما تدعونا إليه مريب}.
{قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني منه رحمة فمن ينصرني من الله إن عصيته فما تزيدونني غير تخسير}.
وهذا تلطف منه لهم في العبارة ولين الجانب، وحسن تأت في الدعوة لهم إلى الخير. أي فما ظنكم إن كان الأمر كما أقول لكم وأدعوكم إليه؟ ما عذركم عند الله؟ وماذا يخلصكم بين يديه وأنتم تطلبون مني أن أترك دعاءكم إلى طاعته؟ وأنا لا يمكنني هذا لأنه واجب علي، ولو تركته لما قدر أحد منكم ولا من غيركم أن يجيرني منه ولا ينصرني. فأنا لا أزال أدعوكم إلى الله وحده لا شريك له، حتى يحكم الله بيني وبينكم.
وقالوا له أيضا: {إنما أنت من المسحرين} أي من المسحورين، يعنون مسحورا لا تدري ما تقول في دعائك إيانا إلى إفراد العبادة لله وحده، وخلع ما سواه من الأنداد. وهذا القول عليه الجمهور، وهو أن المراد بالمسحرين المسحورين. وقيل من المسحرين: أي ممن له سحر - وهو الرئي - كأنهم يقولون إنما أنت بشر له سحر. والأول أظهر لقولهم بعد هذا: {ما أنت إلا بشر مثلنا} وقولهم {فأت بآية إن كنت من الصادقين} سألوا منه أن يأتيهم بخارق يدل على صدق ما جاءهم به. قال: {قال هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم، ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب يوم عظيم} كما قال: {قد جاءتكم بينة من ربكم هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم} وقال تعالى: {وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها}.
وقد ذكر المفسرون أن ثمود اجتمعوا يوما في ناديهم، فجاءهم رسول الله صالح فدعاهم إلى الله، وذكرهم وحذرهم ووعظهم وأمرهم، فقالوا له: إن أنت أخرجت لنا من هذه الصخرة - وأشاروا إلى صخرة هناك - ناقة، من صفتها كيت وكيت وذكروا أوصافا سموها ونعتوها، وتعنتوا فيها، وأن تكون عشراء، طويلة، من صفتها كذا وكذا، فقال لهم النبي صالح عليه السلام: أرأيتم إن أجبتكم إلى ما سألتم، على الوجه الذي طلبتم، أتؤمنون بما جئتكم به وتصدقوني فيما أرسلت به؟ قالوا: نعم. فأخذ عهودهم ومواثيقهم على ذلك.
ثم قام إلى مصلاه فصلى لله عز وجل ما قدر له، ثم دعا ربه عز وجل أن يجيبهم إلى ما طلبوا، فأمر الله عز وجل تلك الصخرة أن تنفطر عن ناقة عظيمة عشراء، على الوجه المطلوب الذي طلبوا، أو على الصفة التي نعتوا.
فلما عاينوها كذلك، رأوا أمرا عظيما، ومنظرا هائلا، وقدرة باهرة، ودليلا قاطعا، وبرهانا ساطعا، فآمن كثير منهم، واستمر أكثرهم على كفرهم وضلالهم وعنادهم. ولهذا قال: {فظلموا بها} أي جحدوا بها، ولم يتبعوا الحق بسببها، أي أكثرهم، وكان رئيس الذين آمنوا: جندع بن عمرو بن محلاة بن لبيد بن جواس، وكان من رؤسائهم. وهم بقية الأشراف بالإسلام، فصدهم ذؤاب بن عمرو بن لبيد، والحباب، صاحب أوثانهم، ورباب بن صعر بن جلمس، ودعا جندع ابن عمه شهاب بن خليفة، وكان من أشرافهم، فهم بالإسلام فنهاه أولئك، فمال إليهم فقال في ذلك رجل من المسلمين يقال له مهرش بن غنمة بن الذميل رحمه الله:

وكانت عصبة من آل عمرو *** إلى دين النبي دعوا شهابا
عزيز ثمود كلهم جميعا *** فهم بأن يجيب ولو أجابا
لأصبح صالح فينا عزيزا *** وما عدلوا بصاحبهم ذؤابا
ولكن الغواة من آل حجر ** *** تولوا بعد رشدهم ذبابا
ولهذا قال لهم صالح عليه السلام: {هذه ناقة الله} أضافها لله سبحانه وتعالى إضافة تشريف وتعظيم، كقوله بيت الله وعبد الله {لكم آية} أي دليلا على صدق ما جئتكم به {فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب قريب}.
فاتفق الحال على أن تبقى هذه الناقة بين أظهرهم، ترعى حيث شاءت من أرضهم، وترد الماء يوما بعد يوم، وكانت إذا وردت الماء تشرب ماء البئر يومها ذلك، فكانوا يرفعون حاجتهم من الماء في يومهم لغدهم. ويقال أنهم كانوا يشربون من لبنها كفايتهم، ولهذا قال: {لها شرب ولكم شرب يوم معلوم}.
ولهذا قال تعالى: {إنا مرسلو الناقة فتنة لهم} أي اختبار لهم أيؤمنون بها أم يكفرون؟ والله أعلم بما يفعلون. {فارتقبهم} أي انتظر ما يكون من أمرهم {واصطبر} على أذاهم فسيأتيك الخبر على جلية. {ونبئهم أن الماء قسمة بينهم كل شرب محتضر}.
فلما طال عليهم هذا الحال اجتمع أمرهم واتفق رأيهم على أن يعقروا هذه الناقة، ليستريحوا منها ويتوفر عليهم ماؤهم، وزين لهم الشيطان أعمالهم. قال الله تعالى: {فعقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين}.
وكان الذي تولى قتلها منهم رئيسهم: قدار بن سالف بن جندع، وكان أحمر أزرق أصهب. وكان يقال أنه ولد زانية، ولد على فراش سالف، وهو ابن رجل يقال له صيبان. وكان فعله ذلك باتفاق جميعهم، فلهذا نسب الفعل إلى جميعهم كلهم.
وذكر ابن جرير وغيره من علماء المفسرين: أن امرأتين من ثمود اسم إحداهما "صدوقة" ابنة المحيا بن زهير بن المختار. وكانت ذات حسب ومال، وكانت تحت رجل من أسلم ففارقته، فدعت ابن عم لها يقال له "مصرع" بن مهرج بن المحيا، وعرضت عليه نفسها إن هو عقر الناقة. واسم الأخرى "عنيزة" بنت غنيم بن مجلز، وتكنى أم عثمان وكانت عجوزا كافرة، لها بنات من زوجها ذؤاب بن عمرو أحد الرؤساء، فعرضت بناتها الأربع على قدار بن سالف، إن هو عقر الناقة فله أي بناتها شاء، فانتدب هذان الشابان لعقرها وسعوا في قومهم بذلك، فاستجاب لهم سبعة آخرون فصاروا تسعة. وهم المذكورون في قوله تعالى: {وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون}. وسعوا في بقية القبيلة وحسنوا لهم عقرها، فأجابوهم إلى ذلك وطاوعوهم في ذلك. فانطلقوا يرصدون الناقة، فلما صدرت من وردها كمن لها "مصرع" فرماها بسهم فانتظم عظم ساقها، وجاء النساء يذمرن القبيلة في قتلها، وحسرن عن وجوههن ترغيبا لهم في ذلك فابتدرهم قدار بن سالف، فشد عليها بالسيف فكشف عن عرقوبها فخرت ساقطة إلى الأرض. ورغت رغاة واحدة عظيمة تحذر ولدها، ثم طعن في لبتها فنحرها، وانطلق سقبها - وهو فصيلها - فصعد جبلا منيعا ورغا ثلاثا.
وروى عبد الرزاق، عن معمر، عمن سمع الحسن أنه قال: يارب أين أمي؟ ثم دخل في صخرة فغاب فيها. ويقال: بل اتبعوه فعقروه أيضا.
قال الله تعالى: {فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر فكيف كان عذابي ونذر}. وقال تعالى: {إذ انبعث أشقاها، فقال لهم رسول الله ناقة الله وسقياها} أي احذروها {فكذبوه فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها، ولا يخاف عقباها}.
قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن نمير، حدثنا هشام - أبو عروة - عن أبيه عن عبد الله بن زمعة قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الناقة وذكر الذي عقرها فقال: "إذ انبعث أشقاها: انبعث لها رجل عارم عزيز منيع في رهطه، مثل أبي زمعة".
أخرجاه من حديث هشام به. عارم: أي شهم. عزيز، أي: رئيس. منيع، أي: مطاع في قومه.
وقال محمد بن إسحاق: حدثني يزيد بن محمد بن خثيم، عن محمد بن كعب، عن محمد بن خثيم بن يزيد، عن عمار بن ياسر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي: "ألا أحدثك بأشقى الناس؟ قال: بلى. قال: رجلان، أحدهما أحيمر ثمود الذي عقر الناقة، والذي يضربك يا علي على هذا - يعني قرنه - حتى تبتل منه هذه - يعني لحيته". رواه ابن أبي حاتم.
وقال تعالى: {فعقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين} فجمعوا في كلامهم هذا بين كفر بليغ من وجوه:
منها: أنهم خالفوا الله ورسوله في ارتكابهم النهي الأكيد في عقر الناقة التي جعلها الله لهم آية.
ومنها: أنهم استعجلوا وقوع العذاب بهم فاستحقوه من وجهين: أحدهما الشرط عليهم في قوله: {ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب قريب} وفي آية{عظيم} وفي الأخرى{أليم} والكل حق. والثاني استعجالهم على ذلك.
ومنها: أنهم كذبوا الرسول الذي قد قام الدليل القاطع على نبوته وصدقه، وهم يعلمون ذلك علما جازما، ولكن حملهم الكفر والضلال والعناد على استبعاد الحق ووقوع العذاب بهم. قال الله تعالى: {فعقروها فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب}.
وذكروا أنهم لما عقروا الناقة كان أول من سطا عليها قدار بن سالف، لعنه الله، فعرقبها فسقطت إلى الأرض، ثم ابتدروها بأسيافهم يقطعونها فلما عاين ذلك سقبها - وهو ولدها - شرد عنهم فعلا أعلى الجبل هناك، ورغا ثلاث مرات.
فلهذا قال لهم صالح: {تمتعوا في داركم ثلاثة أيام} أي غير يومهم ذلك، فلم يصدقوه أيضا في هذا الوعد الأكيد، بل لما أمسوا هموا بقتله وأرادوا - فيما يزعمون - أن يلحقوه بالناقة. {قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله} أي لنكبسنه في داره مع أهله فلنقتلنه، ثم نجحدن قتله ولننكرن ذلك إن طالبنا أولياؤه بدمه، ولهذا قالوا: {ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون}.
قال الله تعالى: {ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون، فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين، فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا إن في ذلك لآية لقوم يعلمون، وأنجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون}.
وذلك أن الله تعالى أرسل على أولئك النفر الذين قصدوا قتل صالح حجارة رضختهم فأهلكهم سلفا وتعجيلا قبل قومهم، وأصبحت ثمود يوم الخميس - وهو اليوم الأول من أيام النظرة - ووجوهم مصفرة، كما أنذرهم صالح عليه السلام. فلما أمسوا نادوا بأجمعهم: ألا قد مضى يوم من الأجل. ثم أصبحوا في اليوم الثاني من أيام التأجيل وهو يوم الجمعة - ووجوههم محمرة، فلما أمسوا نادوا: ألا قد مضى يومان من الأجل، ثم أصبحوا في اليوم الثالث من أيام المتاع - وهو يوم السبت - ووجوهم مسودة، فلما أمسوا نادوا: ألا قد مضى الأجل.
فلما كان صبيحة يوم الأحد تحنطوا وتأهبوا وقعدوا ينتظرون ماذا يحل بهم من العذاب والنكال والنقمة، لا يدرون كيف يفعل بهم؟ ولا من أي جهة يأتيهم العذاب.
فلما أشرقت الشمس جاءتهم صيحة من السماء من فوقهم، ورجفة من أسفل منهم، ففاضت الأرواح وزهقت النفوس، وسكنت الحركات، وخشعت الأصوات، وحقت الحقائق فأصبحوا في دارهم جاثمين، جثثا لا أرواح فيها ولا حراك بها. قالوا ولم يبق منهم أحد إلا جارية كانت مقعدة واسمها "كلبة" بنت السلق - ويقال لها الذريعة - وكانت شديدة الكفر والعداوة لصالح عليه السلام، فلما رأت العذاب أطلقت رجلاها، فقامت تسعى كأسرع شيء، فأتت حيا من العرب فأخبرتهم بما رأت وما حل بقومها واستسقتهم ماء، فلما شربت ماتت.
قال الله تعالى: {كأن لم يغنوا فيها} أي لم يقيموا فيها في سعة ورزق وغناء، {ألا إن ثمود كفروا ربهم ألا بعدا لثمود} أي نادى عليهم لسان القدر بهذا.
قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، حدثنا عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن أبي الزبير، عن جابر قال: لما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجر قال: "لا تسألوا الآيات فقد سألها قوم صالح، فكانت - يعني الناقة - ترد من هذا الفج وتصدر من هذا الفج، فعتوا عن أمر ربهم فعقروها. وكانت تشرب ماءهم يوما ويشربون لبنها يوما، فعقروها فأخذتهم صيحة أهمد الله بها من تحت أديم السماء منهم إلا رجلا واحدا كان في حرم الله" فقالوا: من هو يا رسول الله؟ قال: هو أبو رغال، فلما خرج من الحرم أصابه ما أصاب قومه".
وهذا الحديث على شرط مسلم وليس هو في شيء من الكتب الستة. والله تعالى أعلم.
وقد قال عبد الرزاق أيضا: قال معمر: أخبرني إسماعيل بن أمية أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقبر أبي رغال، فقال: "أتدرون من هذا؟" قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "هذا قبر أبي رغال، رجل من ثمود، كان في حرم الله فمنعه حرم الله عذاب الله، فلما خرج أصابه ما أصاب قومه فدفن ها هنا، ودفن معه غصن من ذهب. فنزل القوم فابتدروه بأسيافهم، فبحثوا عنه فاستخرجوا الغصن". قال عبد الرزاق: قال معمر: قال الزهري: أبو رغال أبو ثقيف.. هذا مرسل من هذا الوجه.
وقد جاء من وجه آخر متصلا كما ذكره محمد بن إسحاق في السيرة عن إسماعيل بن أمية، عن بجير بن أبي بجير، قال: سمعت عبد الله بن عمر يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرجنا معه إلى الطائف، فمررنا بقبر، فقال: "إن هذا قبر أبي رغال، وهو أبو ثقيف، وكان من ثمود، وكان بهذا الحرم يدفع عنه، فلما خرج منه أصابته النقمة التي أصابت قومه بهذا المكان فدفن فيه، وآية ذلك أنه دفن معه غصن من ذهب، إن أنتم نبشتم عنه أصبتموه معه. فابتدره الناس فاستخرجوا منه الغصن" وهكذا رواه أبو داود من طريق محمد بن إسحاق به. قال شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي رحمه الله: هذا حديث حسن عزيز.
قلت: تفرد به بجير بن أبي بجير هذا، ولا يعرف إلا بهذا الحديث، ولم يرو عنه سوى إسماعيل بن أمية. قال شيخنا: فيحتمل أنه وهم في رفعه، وإنما يكون من كلام عبد الله بن عمرو من زاملتيه. والله أعلم.
قلت: لكن في المرسل الذي قبله وفي حديث جابر أيضا شاهد له. والله أعلم.
وقوله تعالى: {فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين} إخبار عن صالح عليه السلام، أنه خاطب قومه بعد هلاكهم، وقد أخذ في الذهاب عن محلتهم إلى غيرها قائلا لهم: {يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم} أي: جهدت في هدايتكم بكل ما أمكنني، وحرصت على ذلك بقولي وفعلي ونيتي.
{ولكن لا تحبون الناصحين}. أي: لم تكن سجاياكم تقبل الحق ولا تريده، فلهذا صرتم إلى ما أنتم فيه من العذاب الأليم، المستمر بكم المتصل إلى الأبد، وليس لي فيكم حيلة، ولا لي بالدفع عنكم يدان. والذي وجب علي من أداء الرسالة والنصح لكم قد فعلته، وبذلته لكم، ولكن الله يفعل ما يريد.
وهكذا خاطب النبي صلى الله عليه وسلم أهل قليب بدر بعد ثلاث ليال: وقف عليهم وقد ركب راحلته وأمر بالرحيل من آخر الليل فقال: "يا أهل القليب، هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا؟ فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقا". وقال لهم فيما قال: " بئس عشيرة النبي كنتم لنبيكم"، كذبتموني وصدقني الناس، وأخرجتموني وآواني الناس، وقاتلتموني ونصرني الناس، فبئس عشيرة النبي كنتم لنبيكم". فقال له عمر: يا رسول الله تخاطب أقواما قد جيفوا؟ فقال: "والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يجيبون".
ويقال أن صالحا عليه السلام انتقل إلى حرم الله فأقام به حتى مات.
قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا زمعة بن صالح، عن سلمة بن وهرام، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما مر النبي صلى الله عليه وسلم بوادي عسفان حين حج قال: "يا أبا بكر أي واد هذا؟" قال وادي عسفان. قال: "لقد مر به هود وصالح عليهما السلام على بكرات خطمها الليف، أزرهم العباء، وأرديتهم النمار يلبون يحجون البيت العتيق".
إسناد حسن. وقد تقدم في قصة نوح عليه السلام من رواية الطبراني، وفيه نوح وهود وإبراهيم.
ذكر مرور النبي صلى الله عليه وسلم بواد الحجر من أرض ثمود عام تبوك[عدل]
قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا صخر بن جويرية عن نافع، عن ابن عمر قال: لما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس على تبوك، نزل بهم الحجر عند بيوت ثمود، فاستقى الناس من الآبار التي كانت تشرب منها ثمود، فعجنوا منها ونصبوا القدور، فأمرهم رسول الله فأهراقوا القدور، وعلفوا العجين الإبل، ثم ارتحل بهم حتى نزل بهم على البئر التي كانت تشرب منها الناقة، ونهاهم أن يدخلوا على القوم الذين عذبوا فقال: "إني أخشى أن يصيبكم مثل ما أصابهم فلا تدخلوا عليهم".
وقال أحمد أيضا: حدثنا عفان، حدثنا عبد العزيز بن مسلم،حدثنا عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالحجر: "لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم، أن يصيبكم مثل ما أصابهم". أخرجاه في "الصحيحين" من غير وجه.
وفي بعض الروايات: أنه عليه السلام لما مر بمنازلهم قنع رأسه، وأسرع راحلته، ونهى عن دخول منازلهم، إلا أن يكونوا باكين. وفي رواية: "فإن لم تبكوا فتباكوا خشية أن يصيبكم مثل ما أصابهم" صلوات الله وسلامه عليه.
وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا المسعودي، عن إسماعيل بن أوسط، عن محمد بن أبي كبشة الأنباري عن أبيه - واسمه عمرو بن سعد ويقال عامر بن سعد - رضي الله عنه قال: لما كان في غزوة تبوك تسارع الناس إلى أهل الحجر يدخلون عليهم، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فنادى في الناس: "الصلاة جامعة" قال فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو ممسك بعيره وهو يقول: "ما تدخلون على قوم غضب الله عليهم" فناداه رجل: نعجب منهم يا رسول الله! قال: "أفلا أنبئكم بأعجب من ذلك؟ رجل من أنفسكم ينبئكم بما كان قبلكم وما هو كائن بعدكم، فاستقيموا وسددوا، فإن الله لا يعبأ بعذابكم شيئا، وسيأتي قوم لا يدفعون عن أنفسهم شيئا". إسناد حسن ولم يخرجوه.
وقد ذكر أن قوم صالح كانت أعمارهم طويلة، فكانوا يبنون البيوت من المدر فتخرب قبل موت الواحد منهم، فنحتوا لهم بيوتا في الجبال.
وذكروا أن صالحا عليه السلام لما سألوه آية، فأخرج الله لهم الناقة من الصخرة، أمرهم بها وبالولد الذي كان في جوفها، وحذرهم بأس الله إن هم نالوها بسوء، وأخبرهم أنهم سيعقرونها، ويكون سبب هلاكهم ذلك. وذكر لهم صفة عاقرها، وأنه أحمر أزرق أصهب، فبعثوا القوابل في البلد متى وجدوا مولودا بهذه الصفة يقتلنه، فكانوا على ذلك دهرا طويلا.
وانقرض جيل، وأتى جيل آخر. فلما كان في بعض الأعصار خطب رئيس من رؤسائهم على ابنة بنت آخر مثله في الرياسة، فزوجه، فولد بينهما عاقر الناقة، وهو قدار بن سالف، فلم تتمكن القوابل من قتله لشرف أبويه وجده فيهم، فنشأ نشأة سريعة، فكان يشب في الجمعة كما يشب غيره في شهر، حتى كان من أمره أن خرج مطاعا فيهم رئيسا بينهم. فسولت له نفسه عقر الناقة واتبعه على ذلك ثمانية من أشرافهم، وهم التسعة الذين أرادوا قتل صالح عليه السلام.
فلما وقع من أمرهم ما وقع من عقر الناقة، وبلغ ذلك صالحا عليه السلام، جاءهم باكيا عليها، فتلقوه يعتذرون إليه، ويقولون: إن هذا لم يقع عن ملأ منا. وإنما فعل هذا هؤلاء الأحداث فينا. فيقال: أنه أمرهم باستدراك سقبها حتى يحسنوا إليه عوضا عنها، فذهبوا وراءه فصعد جبلا هناك، فلما تصاعدوا فيه وراءه تعالى الجبل حتى ارتفع، فلا يناله الطير، وبكى الفصيل حتى سالت دموعه. ثم استقبل صالحا عليه السلام ورغا ثلاثا، فعندها قال صالح: {تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب} وأخبرهم أنهم يصبحون من غدهم صفرا، ثم تحمر وجوههم في الثاني، وفي اليوم الثالث تسود وجوههم. فلما كان في اليوم الرابع أتتهم صيحة فيها صوت كل صاعقة، فأخذتهم فأصبحوا في دارهم جاثمين.
وفي بعض هذا السياق نظر ومخالفة لظاهر ما يفهم من القرآن في شأنهم وقصتهم كما قدمنا. والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.

قصة إبراهيم الخليل عليه السلام[عدل]
هو إبراهيم بن تارخ "250" بن ناحور "148" بن ساروغ "230" بن راغو "239" بن فالغ "439" بن عابر"464" بن شالح "433" بن ارفخشذ "438" بن سام "600" بن نوح عليه السلام.
هذا نص أهل الكتاب في كتابهم، وقد أعلمت على أعمارهم تحت أسمائهم بالهندي كما ذكروه من المدد وقدمنا الكلام على عمر نوح عليه السلام فأغنى عن إعادته.
وحكى الحافظ ابن عساكر في ترجمة إبراهيم الخليل من تاريخه عن إسحاق بن بشر الكاهلي صاحب كتاب "المبتدأ" ، أن اسم أم إبراهيم "أميلة". ثم أورد عنه في خبر ولادتها له حكاية طويلة وقال الكلبي: اسمها "بونا" بنت كربتا بن كرثى، من بني أرفخشذ بن سام بن نوح.
وروى ابن عساكر من غير وجه عن عكرمة أنه قال: كان إبراهيم عليه السلام يكنى "أبا الضيفان".
قالوا: ولما كان عمر تارخ خمسا وسبعين سنة ولد له إبراهيم عليه السلام، و "تاحور" و "هاران" وولد لهاران "لوط".
وعندهم أن إبراهيم عليه السلام هو الأوسط، وأن هاران مات في حياة أبيه في أرضه التي ولد فيها، وهي أرض الكلدانيين يعنون أرض بابل.
وهذا هو الصحيح المشهور عند أهل السير والتواريخ والأخبار، وصحح ذلك الحافظ ابن عساكر، بعدما روي من طريق هشام بن عمار، عن الوليد، عن سعيد بن عبد العزيز، عن مكحول، عن ابن عباس قال: ولد إبراهيم بغوطة دمشق، في قرية يقال لها برزة، في جبل يقال له قاسيون. ثم قال: والصحيح أنه ولد ببابل. وإنما نسب إليه هذا المقام لأنه صلى فيه إذ جاء معينا للوط عليه السلام.
قالوا: فتزوج إبراهيم سارة، وناحور "ملكا" ابنة هاران يعنون ابنة أخيه. قالوا وكانت سارة عاقرا لا تلد.
قالوا: وانطلق تارخ بابنه إبراهيم وامرأته سارة وابن أخيه لوط بن هاران، فخرج بهم من أرض الكلدانيين إلى أرض الكنعانيين، فنزلوا حران، فمات فيها تارخ وله مائتان وخمسون سنة. وهذا يدل على أنه لم يولد بحران، وإنما مولده بأرض الكلدانيين وهي أرض بابل وما والاها.
ثم ارتحلوا قاصدين أرض الكنعانيين، وهي بلاد بيت المقدس، فأقاموا بحران وهي أرض الكلدانيين في ذلك الزمان، وكذلك أرض الجزيرة والشام أيضا. وكانوا يعبدون الكواكب السبعة. والذين عمروا مدينة دمشق كانوا على هذا الدين، يستقبلون القطب الشمالي ويعبدون الكواكب السبعة بأنواع من الفعال والمقال. ولهذا كان على كل باب من أبواب دمشق السبعة القديمة هيكل لكوكب منها، ويعملون لها أعياد وقرابين.
وهكذا كان أهل حران يعبدون الكواكب والأصنام وكل من كان على وجه الأرض كانوا كفارا، سوى إبراهيم الخليل وامرأته وابن أخيه لوط عليهم السلام.
وكان الخليل عليه السلام هو الذي أزال الله به تلك الشرور وأبطل به ذاك الضلال، فإن الله سبحانه وتعالى آتاه رشده في صغره، وابتعثه رسولا، واتخذه خليلا في كبره، قال الله تعالى: ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين}. أي كان أهلا لذلك.
وقال تعالى: {وإبراهيم إذ قال لقومه اعبدوا الله واتقوه ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون، إنما تعبدون من دون الله أوثانا وتخلقون إفكا إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له إليه ترجعون، وإن تكذبوا فقد كذب أمم من قبلكم وما على الرسول إلا البلاغ المبين، أولم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده إن ذلك على الله يسير قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة إن الله على كل شيء قدير، يعذب من يشاء ويرحم من يشاء وإليه تقلبون، وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير، والذين كفروا بآيات الله ولقائه أولئك يئسوا من رحمتي وأولئك لهم عذاب أليم، فما كان جواب قومه إلا أن قالوا اقتلوه أو حرقوه فأنجاه الله من النار إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون، وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين، فآمن له لوط وقال إني مهاجر إلى ربي إنه هو العزيز الحكيم، ووهبنا له إسحاق ويعقوب وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب وآتيناه أجره في الدنيا وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين}.
ثم ذكر تعالى مناظرته لأبيه وقومه كما سنذكره إن شاء الله تعالى.
وكان أول دعوته لأبيه، وكان أبوه ممن يعبد الأصنام، لأنه أحق الناس بإخلاص النصيحة له كما قال تعالى: {واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا، إذ قال لأبيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا، يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا، يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمان عصيا، يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمان فتكون للشيطان وليا، قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليا، قال سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا، وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعو ربي عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا}.
فذكر تعالى ما كان بينه وبين أبيه من المحاورة والمجادلة، وكيف دعا أباه إلى الحق بألطف عبارة وأحسن اشارة، بين له بطلان ما هو عليه من عبادة الأوثان التي لا تسمع دعاء عابدها ولا تبصر مكانه فكيف تغني عنه شيئا، أو تفعل به خيرا من رزق أو نصر؟ ثم قال له منبها على ما أعطاه الله من الهدى والعلم النافع وإن كان أصغر سنا من أبيه: {ياأبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا} أي مستقيما واضحا، سهلا حنيفا، يفضي بك إلى الخير في دنياك وأخراك.
فلما عرض هذا الرشد عليه وأهدى هذه النصيحة إليه، لم يقبلها منه، ولا أخذها عنه، بل تهدده وتوعده قال: {أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك} قيل بالمقال وقيل بالفعال. {واهجرني مليا} أي واقطعني وأطل هجراني.
فعندها قال له إبراهيم: {سلام عليك} أي لا يصلك مني مكروه ولا ينالك مني أذى، بل أنت سالم من ناحيتي. وزاده خيرا فقال: {عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا}. قال ابن عباس وغيره: أي لطيفا، يعني في أن هداني لعبادته والإخلاص له. ولهذا قال: {وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعو ربي عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا}.
وقد استغفر له إبراهيم عليه السلام كما وعده في أدعيته، فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه كما قال تعالى: {وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم}.
وقال البخاري: حدثنا إسماعيل بن عبد الله، حدثني أخي عبد الحميد، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة وعلى وجه آزر قترة وغبرة، فيقول له إبراهيم: ألم أقل لك لا تعصني؟ فيقول له أبوه: فاليوم لا أعصيك، فيقول إبراهيم: يا رب إنك وعدتني أن لا تخزيني يوم يبعثون فأي خزي أخزى من أبي الأبعد؟ فيقول الله: إني حرمت الجنة على الكافرين. ثم يقال يا إبراهيم انظر ما تحت رجليك؟ فينظر، فإذا هو بذبح متلطخ، فيؤخذ بقوائمه فيلقى في النار". هكذا رواه في قصة إبراهيم منفردا.
وقال في التفسير: وقال إبراهيم بن طهمان عن ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري، عن أبيه عن أبي هريرة.
وهكذا رواه النسائي عن أحمد بن حفص بن عبد الله، عن أبيه، عن إبراهيم بن طهمان به. وقد رواه البزار عن حديث حماد بن سلمة عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه، وفي سياقه غرابة. ورواه أيضا من حديث قتادة عن عقبة بن عبد الغافر، عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه.
وقال تعالى: {وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة إني أراك وقومك في ضلال مبين} هذا يدل على أن اسم أبي إبراهيم آزر، وجمهور أهل النسب، منهم ابن عباس، على أن اسم أبيه تارخ. وأهل الكتاب يقولون تارخ بالخاء المعجمة، فقيل: إنه لقب بصنم كان يعبده اسمه آزر. وقال ابن جرير: والصواب أن اسمه آزر. ولعل له اسمان علمان، أو أحدهما لقب والآخر علم. وهذا الذي قاله محتمل. والله أعلم.
ثم قال تعالى: {وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين، فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين، فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين، فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين، وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هداني ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما أفلا تتذكرون، وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون، وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم}.
وهذا المقام مقام مناظرة لقومه، وبيان لهم أن هذه الأجرام المشاهدة من الكواكب النيرة، لا تصلح للألوهية، ولا أن تعبد مع الله عز وجل، لأنها مخلوقة مربوبة مصنوعة مدبرة مسخرة، تطلع تارة وتأفل أخرى، فتغيب عن هذا العالم، والرب تعالى لا يغيب عنه شيء ولا تخفى عليه خافية، بل هو الدائم الباقي بلا زوال، لا إله إلا هو ولا رب سواه.
فبين لهم أولا عدم صلاحية الكوكب لذلك قيل هو الزهرة، ثم ترقى منها إلى القمر الذي هو أضوأ منها، وأبهى من حسنها، ثم ترقى إلى الشمس التي هي أشد الأجرام المشاهدة ضياء وسناء وبهاء، فبين أنها مسخرة مسيرة مقدرة مربوبة، كما قال تعالى: {ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون}.
ولهذا قال: {فلما رأى الشمس بازغة} أي طالعة {قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون، إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين، وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هداني ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا} أي لست أبالي هذه الآلهة التي تعبدونها من دون الله، فإنها لا تنفع شيئا ولا تسمع ولا تعقل، بل هي مربوبة مسخرة كالكواكب ونحوها، أو مصنوعة منحوتة منجورة.
والظاهرة أن موعظته هذه في الكواكب لأهل حران، فإنهم كانوا يعبدونها. وهذا يرد قول من زعم أنه قال هذا حين خرج من السرب لما كان صغيرا، كما ذكره ابن إسحاق وغيره وهو مستند إلى أخبار إسرائيلية لا يوثق بها، ولا سيما إذا خالفت الحق.
وأما أهل بابل فكانوا يعبدون الأصنام، وهم الذين ناظرهم في عبادتها وكسرها عليهم، وأهانها وبين بطلانها، كما قال تعالى: {وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين} وقال في سورة الأنبياء: {ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين، إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون، قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين، قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين، قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين، قال بل ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن وأنا على ذلكم من الشاهدين، وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين فجعلهم جذاذا إلا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون، قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين، قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم، قالوا فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون، قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا ياإبراهيم، قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون، فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون ثم نكسوا على رءوسهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون، قال أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم، أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون، قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين، قلنا يانار كوني بردا وسلاما على إبراهيم، وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين}.
وقال في سورة الشعراء: {واتل عليهم نبأ إبراهيم، إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون، قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين، قال هل يسمعونكم إذ تدعون، أو ينفعونكم أو يضرون، قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون، قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون، أنتم وآباؤكم الأقدمون، فإنهم عدو لي إلا رب العالمين، الذي خلقني فهو يهديني، والذي هو يطعمني ويسقيني وإذا مرضت فهو يشفيني، والذي يميتني ثم يحيين، والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين، رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين}.
وقال تعالى في سورة الصافات: {وإن من شيعته لإبراهيم، إذ جاء ربه بقلب سليم، إذ قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون، أئفكا آلهة دون الله تريدون، فما ظنكم برب العالمين، فنظر نظرة في النجوم، فقال إني سقيم، فتولوا عنه مدبرين، فراغ إلى آلهتهم فقال ألا تأكلون، ما لكم لا تنطقون، فراغ عليهم ضربا باليمين، فأقبلوا إليه يزفون، قال أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون، قالوا ابنوا له بنيانا فألقوه في الجحيم، فأرادوا به كيدا فجعلناهم الأسفلين}.
يخبر الله تعالى عن إبراهيم خليله عليه السلام، أنه أنكر على قومه عبادة الأوثان وحقرها عندهم وصغرها وتنقصها، فقال: {ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون} أي معتكفون عندها وخاضعون لها، قالوا: {وجدنا آباءنا لها عابدين}. ما كان حجتهم إلا صنيع الأباء والأجداد، وما كانوا عليه من عبادة الأنداد.
{قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين} كما قال تعالى: {إذ قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون، أئفكا آلهة دون الله تريدون، فما ظنكم برب العالمين}. قال قتادة: فما ظنكم به أنه فاعل بكم إذا لقيتموه وقد عبدتم غيره؟
وقال لهم: {هل يسمعونكم إذ تدعون، أو ينفعونكم أو يضرون، قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون}. سلموا له أنها لا تسمع داعيا ولا تنفع ولا تضر شيئا، وإنما الحامل لهم على عبادتها الإقتداء بأسلافهم ومن هو مثلهم في الضلال من الأباء الجهال. ولهذا قال لهم: {أفرأيتم ما كنتم تعبدون، أنتم وآباؤكم الأقدمون، فإنهم عدو لي إلا رب العالمين} وهذا برهان قاطع على بطلان إلهية ما ادعوه من الأصنام، لأنه تبرأ منها، وتنقص بها، فلو كانت تضر لضرته، أو تؤثر لأثرت فيه.
{قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين} ويقولون: هذا الكلام الذي تقوله لنا وتنتقص به ألهتنا، وتطعن بسببه في آبائنا أتقوله محقا جادا فيه أم لاعبا؟
{قال بل ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن وأنا على ذلكم من الشاهدين} يعني بل أقول لكم ذلك جادا محقا، إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو ربكم ورب كل شيء، فاطر السماوات والأرض، الخالق لهما على غير مثال سبق. فهو المستحق للعبادة وحده لا شريك له، وأنا على ذلكم من الشاهدين.
وقوله: {وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين} أقسم ليكيدن هذه الأصنام التي يعبدونها بعد أن تولوا مدبرين إلى عيدهم.
قيل: إنه قال هذا خفية في نفسه. وقال ابن مسعود: سمعه بعضهم.
وكان لهم عيد يذهبون إليه في كل عام مرة إلى ظاهر البلد، فدعاه أبوه ليحضره فقال: إني سقيم. كما قال تعالى: {فنظر نظرة في النجوم، فقال إني سقيم}. عرض لهم في الكلام حتى توصل إلى مقصودة من إهانة أصنامهم ونصرة دين الله الحق وبطلان ما هم عليه من عبادة الأصنام التي تستحق أن تكسر وأن تهان غاية الإهانة.
فلما خرجوا إلى عيدها، واستقر هو في بلدهم {فراغ إلى آلهتهم} أي ذهب إليها مسرعا مستخفيا، فوجدها في بهو عظيم، وقد وضعوا بين أيديها أنواعا من الأطعمة قربانا إليها فقال لها على سبيل التهكم والإزدراء {ألا تأكلون، ما لكم لا تنطقون، فراغ عليهم ضربا باليمين} لأنها أقوى وأبطش وأسرع وأقهر، فكسرها بقدوم في يده كما قال تعالى: {فجعلهم جذاذا}. أي حطاما، كسرها كلها {إلا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون}. قيل إنه وضع القدوم في يد الكبير، إشارة إلى أنه غار أن تعبد معه هذه الصغار!
فلما رجعوا من عيدهم ووجدوا ما حل بمعبودهم {قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين}.
وهذا فيه دليل ظاهر لهم لو كانوا يعقلون، وهو ما حل بألهتهم التي كانوا يعبدونها، فلو كانت ألهة لدفعت عن أنفسها من أرادها بسوء لكنهم قالوا من جهلهم وقلة عقلهم وكثرة ضلالهم وخبالهم: {من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين}.
{قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم} أي يذكرها بالعيب والتنقص لها والإزدراء بها، فهو المقيم عليها والكاسر لها. وعلى قول ابن مسعود، أي يذكرهم بقوله: {وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين}.
{قالوا فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون} أي في الملأ الأكبر على رؤوس الأشهاد، لعلهم يشهدون مقالته ويسمعون كلامه، ويعاينون ما يحل به من الاقتصاص منه.
وكان هذا أكبر مقاصد الخليل عليه السلام أن يجتمع الناس كلهم، فيقيم على جميع عباد الأصنام الحجة على بطلان ما هم عليه، كما قال موسى عليه السلام لفرعون: {موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى}.
فلما اجتمعوا وجاءوا به كما ذكروا {قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا ياإبراهيم، قال بل فعله كبيرهم}. قيل معناه: هو الحامل لي على تكسيرهم وإنما عرض لهم في القول {فاسألوهم إن كانوا ينطقون}.
وإنما أراد بقوله هذا أن يبادر إلى القول بأن هذه لا تنطق، فيعترفوا بأنها جماد كسائر الجمادات.
{فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون}. أي فعادوا على أنفسهم بالملامة، فقالوا إنكم أنتم الظالمون. أي في تركها لا حافظ لها ولا حارس عندها.
{ثم نكسوا على رءوسهم}. قال السدي: أي ثم رجعوا إلى الفتنة، فعلى هذا يكون قوله: {إنكم أنتم الظالمون}. أي في عبادتها.
وقال قتادة: أدركت القوم حيرة سوء. أي فأطرقوا ثم قالوا: {لقد علمت ما هؤلاء ينطقون}. أي لقد علمت يا إبراهيم أن هذه لا تنطق، فكيف تأمرنا بسؤالها!
فعند ذلك قال لهم الخليل عليه السلام: {أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم، أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون}.
كما قال: {فأقبلوا إليه يزفون} قال مجاهد: يسرعون.
(قال): {أتعبدون ما تنحتون} أي كيف تعبدون أصناما أنتم تنحتونها من الخشب والحجارة وتصورونها وتشكلونها كما تريدون {والله خلقكم وما تعملون}.
وسواء كانت "ما" مصدرية، أو بمعنى الذي، فمقتضى الكلام أنكم مخلوقون، وهذه الأصنام مخلوقة، فكيف يتعبد مخلوق لمخلوق مثله؟ فإنه ليس عبادتكم لها بأولى من عبادتها لكم، وهذا باطل، فالآخر باطل للتحكم إذ ليست العبادة تصلح، ولا تجب إلا للخالق وحده لا شريك له.
{قالوا ابنوا له بنيانا فألقوه في الجحيم، فأرادوا به كيدا فجعلناهم الأسفلين}.
عدلوا عن الجدال والمناظرة لما انقطعوا وغلبوا، ولم تبق لهم حجة ولا شبهة إلى استعمال قوتهم وسلطانهم، لينصروا ما هم عليه من سفههم وطغيانهم، فكادهم الرب جل جلاله وأعلى كلمته ودينه وبرهانه، كما قال تعالى: {قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين، قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم، وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين}.
وذلك أنهم شرعوا يجمعون حطبا من جميع ما يمكنهم من الأماكن، فمكثوا مدة يجمعون له، حتى أن المرأة منهم كانت إذا مرضت تنذر لئن عوفيت لتحملن حطبا لحريق إبراهيم. ثم عمدوا إلى جوبة عظيمة، فوضعوا فيها ذلك الحطب وأطلقوا فيه النار فاضطربت وتأججت، والتهبت وعلا لها شرر لم ير مثله قط.
ثم وضعوا إبراهيم عليه السلام في كفة منجنيق صنعه لهم رجل من الأكراد يقال له "هزن" وكان أول من صنع المجانيق، فخسف الله به الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة.
ثم أخذوا يقيدونه ويكتفونه وهو يقول: لا إله إلا أنت سبحانك رب العالمين، لك الحمد ولك الملك، لا شريك لك.
فلما وضع الخليل عليه السلام في كفة المنجنيق مقيدا مكتوفا، ثم ألقوه منه إلى النار، قال: حسبنا الله ونعم الوكيل. كما روى البخاري عن ابن عباس أنه قال: حسبنا الله ونعم الوكيل، قالها إبراهيم حين ألقي في النار، وقالها محمد حين قيل له: {إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل، فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء} الآية.
وقال أبو يعلى: حدثنا أبو هشام الرفاعي، حدثنا إسحاق بن سليمان، عن أبي جعفر الرازي، عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال قال: صلى الله عليه وسلم "لما ألقي إبراهيم في النار قال: اللهم إنك في السماء واحد وأنا في الأرض واحد أعبدك".
وذكر بعض السلف أن جبريل عرض له في الهواء فقال: يا إبراهيم ألك حاجة؟ فقال أما إليك فلا.
ويروى عن ابن عباس وسعيد بن جبير أنه قال جعل ملك المطر يقول متى أومر فأرسل المطر؟ فكان أمر الله أسرع.
{قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم}. قال علي بن أبي طالب: أي لا تضريه.
وقال ابن عباس وأبو العالية: لولا أن الله قال { وسلاما على إبراهيم} لآذى إبراهيم بردها.
وقال كعب الأحبار: لم ينتفع أهل الأرض يومئذ بنار، ولم تحرق منه سوى وثاقه.
وقال الضحاك: يروي أن جبريل عليه السلام كان معه يمسح العرق عن وجهه لم يصبه منها شيء غيره.
وقال السدي: كان معه أيضا ملك الظل. وصار إبراهيم عليه السلام في ميل الجوبة حوله النار، وهو في روضة خضراء، والناس ينظرون إليه لا يقدرون على الوصول، ولا هو يخرج إليهم. فعن أبي هريرة أنه قال: أحسن كلمة قالها أبو إبراهيم إذ قال لما رأى ولده على تلك الحال: نعم الرب ربك يا إبراهيم!
وروى ابن عساكر عن عكرمة أن أم إبراهيم نظرت إلى ابنها عليه السلام فنادته. يا بني أريد أن أجئ إليك فادع الله أن ينجيني من حر النار حولك. فقال: نعم فأقبلت إليه لا يمسها شيء من حر النار. فلما وصلت إليه اعتنقته وقبلته ثم عادت.
وعن المنهال بن عمرو أنه قال: أخبرت أن إبراهيم مكث هناك إما أربعين وإما خمسين يوما، وأنه قال: ما كنت أياما وليالي أطيب عيشا إذ كنت فيها. ووددت أن عيشي وحياتي كلها مثل إذ كنت فيها. صلوات الله وسلامه عليه.
فأرادوا أن ينتصروا فخذلوا، وأرادوا أن يرتفعوا فاتضعوا، وأرادوا أن يغلبوا فغلبوا. قال الله تعالى: {وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين}، وفي الآية الأخرى: {الأسفلين} ففازوا بالخسارة والسفال، هذا في الدنيا وأما في الآخرة فإن نارهم لا تكون عليهم بردا ولا سلاما، ولا يلقون تحية ولا سلاما، بل هي كما قال تعالى {إنها ساءت مستقرا ومقاما}.
قال البخاري: حدثنا عبد الله بن موسى، أو ابن سلام عنه، أنبأنا ابن جريج، عن عبد الحميد بن جبير، عن سعيد بن المسيب، عن أم شريك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم "أمر بقتل الوزغ، وقال: كان ينفخ على إبراهيم". ورواه مسلم من حديث ابن جريج. وأخرجه النسائي وابن ماجه من حديث سفيان بن عيينة، كلاهما عن عبد الحميد بن جبير بن شيبة به.
وقال أحمد: حدثنا محمد بن بكر، حدثنا ابن جريج، أخبرني عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي أمية، أن نافعا مولى ابن عمر أخبره أن عائشة أخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "اقتلوا الوزغ فإنه كان ينفخ النار على إبراهيم" قال فكانت عائشة تقتلهن. وقال أحمد: حدثنا إسماعيل، حدثنا أيوب عن نافع، أن امرأة دخلت على عائشة فإذا رمح منصوب فقالت: ما هذا الرمح؟ فقالت: نقتل به الأوزاغ. ثم حدثت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن إبراهيم لما ألقي في النار جعلت الدواب كلها تطفئ عنه إلا الوزغ فإنه جعل ينفخها عليه. تفرد به أحمد من هذين الوجهين.
وقال أحمد: حدثنا عفان، حدثنا جرير، حدثنا نافع، حدثتني سمامة مولاة الفاكه بن المغيرة، قالت: دخلت على عائشة فرأيت في بيتها رمحا موضوعا، فقلت: يا أم المؤمنين ما تصنعين بهذا الرمح؟ قالت: هذا لهذه الأوزاغ نقتلهن به، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم: حدثنا أن إبراهيم حين ألقي في النار لم يكن في الأرض دابة إلا تطفئ عنه النار، غير الوزغ كان ينفخ عليه، فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: بقتله. ورواه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة عن يونس بن محمد عن جرير بن حازم به.
ذكر مناظرة إبراهيم الخليل مع النمرود[عدل]
ذكر مناظرة إبراهيم الخليل مع من أراد أن ينازع العظيم الجليل في العظمة ورداء الكبرياء فادعى الربوبية، وهو أحد العبيد الضعفاء
قال الله تعالى: {ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين}.
يذكر تعالى مناظرة خليله مع هذا الملك الجبار المتمرد الذي ادعى لنفسه الربوبية، فأبطل الخليل عليه دليله، وبين كثرة جهله، وقلة عقله، وألجمه الحجة، وأوضح له طريق المحجة.
قال المفسرون وغيرهم من علماء النسب والأخبار، وهذا الملك هو ملك بابل، واسمه النمرود بن كنعان بن كوش بن سام بن نوح قال مجاهد. وقال غيره: نمرود بن فالح بن عابر بن صالح بن أرفخشذ بن سام بن نوح.
قال مجاهد وغيره: وكان أحد ملوك الدنيا، فإنه قد ملك الدنيا فيما ذكروا أربعة: مؤمنان وكافران. فالمؤمنان: ذو القرنين وسليمان. والكافران: النمرود وبختنصر.
وذكروا أن نمرود هذا استمر في ملكه أربعمائة سنة، وكان طغا وبغا، وتجبر وعتا، وآثر الحياة الدنيا.
ولما دعاه إبراهيم الخليل إلى عبادة الله وحده لا شريك له حمله الجهل والضلال وطول الآمال على إنكار الصانع، فحاج إبراهيم الخليل في ذلك وادعى لنفسه الربوبية. فلما قال الخليل: (ربي الذي يحي ويميت قال: أنا أحي وأميت).
قال قتادة والسدي ومحمد بن إسحاق: يعني أنه إذا آتى بالرجلين قد تحتم قتلهما، فإذا أمر بقتل أحدهما، وعفا عن الآخر، فكأنه قد أحيا هذا وأمات الآخر.
وهذا ليس بمعارضة للخليل، بل هو كلام خارجي عن مقام المناظرة، ليس بمنع ولا بمعارضة، بل هو تشغيب محض، وهو انقطاع في الحقيقة، فإن الخليل استدل على وجود الصانع بحدوث هذه المشاهدات من إحياء الحيوانات وموتها، (هذا دليل) على وجود فاعل. (و) ذلك، الذي لا بد من استنادها إلى وجوده ضرورة عدم قيامها بنفسها، ولا بد من فاعل لهذه الحوادث المشاهدة من خلقها وتسخيرها وتسيير هذه الكواكب والرياح والسحاب والمطر وخلق هذه الحيوانات التي توجد مشاهدة، ثم إماتتها ولهذا قال إبراهيم: {ربي الذي يحيي ويميت}.
فقول هذا الملك الجاهل (أنا أحيي وأميت) إن عنى أنه الفاعل لهذه المشاهدات فقد كابر وعاند، وإن عنى ما ذكره قتادة والسدي ومحمد بن إسحاق فلم يقل شيئا يتعلق بكلام الخليل إذ لم يمنع مقدمة ولا عارض الدليل.
ولما كان انقطاع مناظرة هذا الملك قد تخفى على كثير من الناس ممن حضره وغيرهم، ذكر دليلا آخر بين وجود الصانع وبطلان ما ادعاه النمرود وانقطاعه جهرة: قال: {فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب} أي هذه الشمس مسخرة كل يوم تطلع من المشرق كما سخرها خالقها ومسيرها وقاهرها. وهو الذي لا إله إلا هو خالق كل شيء. فإن كنت كما زعمت من أنك الذي تحي وتميت فأت بهذه الشمس من المغرب فإن الذي يحي ويميت هو الذي يفعل ما يشاء ولا يمانع ولا يغالب بل قد قهر كل شيء، ودان له كل شيء، فإن كنت كما تزعم فافعل هذا، فإن لم تفعله فلست كما زعمت، وأنت تعلم وكل أحد، أنك لا تقدر على شيء من هذا بل أنت أعجز وأقل من أن تخلق بعوضة أو تنتصر منها.
فبين ضلاله وجهله وكذبه فيما ادعاه، وبطلان ما سلكه وتبجح به عند جهلة قومه، ولم يبق له كلام يجيب الخليل به بل انقطع وسكت. ولهذا قال: {فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين}.
وقد ذكر السدي: أن هذه المناظرة كانت بين إبراهيم وبين النمرود، يوم خرج من النار، ولم يكن اجتمع به يومئذ، فكانت بينهما هذه المناظرة.
وقد روى عبد الرزاق عن معمر عن زيد بن أسلم: أن النمرود كان عنده طعام، وكان الناس يفدون إليه للميرة، فوفد إبراهيم في جملة من وفد للميرة ولم يكن اجتمع به إلا يومئذ، فكان بينهما هذه المناظرة، ولم يعط إبراهيم من الطعام كما أعطى الناس، بل خرج وليس معه شيء من الطعام.
فلما قرب من أهله عمد إلى كثيب من التراب فملأ منه عدليه وقال: اشغل أهلي إذا قدمت عليهم، فلما قدم: وضع رحاله وجاء فاتكأ فنام، فقامت امرأته سارة إلى العدلين فوجدتهما ملآنين طعاما طيبا، فعملت منه طعاما. فلما استيقظ إبراهيم وجد الذي قد أصلحوه؛ فقال: أنى لكم هذا؟ قالت: من الذي جئت به. فعرف أنه رزق رزقهموه الله عز وجل.
قال زيد بن أسلم: وبعث الله إلى ذلك الملك الجبار ملكا يأمره بالإيمان بالله فأبى عليه. ثم دعاه الثانية فأبى عليه. ثم دعاه الثالثة فأبى عليه. وقال: اجمع جموعك وأجمع جموعي.
فجمع النمرود جيشه وجنوده، وقت طلوع الشمس فأرسل الله عليه ذبابا من البعوض، بحيث لم يروا عين الشمس وسلطها الله عليهم، فأكلت لحومهم ودمائهم وتركتهم عظاما بادية، ودخلت واحدة منها في منخر الملك فمكثت في منخره أربعمائة سنة، عذبه الله تعالى بها فكان يضرب رأسه بالمرازب في هذه المدة كلها حتى أهلكه الله عز وجل بها.
ذكر هجرة الخليل عليه السلام إلى بلاد الشام، ودخوله الديار المصرية واستقراره في الأرض المقدسة[عدل]
قال الله: {فآمن له لوط وقال إني مهاجر إلى ربي إنه هو العزيز الحكيم، ووهبنا له إسحاق ويعقوب وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين}.
وقال تعالى: {ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين، ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة وكلا جعلنا صالحين، وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين}.
لما هجر قومه في الله وهاجر من بين أظهرهم وكانت امرأته عاقرا لا يولد لها، ولم يكن له من الولد أحد بل معه ابن أخيه لوط بن هاران بن آزر، وهبه الله تعالى بعد ذلك الأولاد الصالحين، وجعل في ذريته النبوة والكتاب، فكل نبي بعث بعده فهو من ذريته، وكل كتاب نزل من السماء على نبي من الأنبياء من بعده فعلى أحد نسله وعقبه، خلعة من الله وكرامة له، حين ترك بلاده وأهله وأقرباءه، وهاجر إلى بلد يتمكن فيها من عبادة ربه عز وجل، ودعوة الخلق إليه.
والأرض التي قصدها بالهجرة أرض الشام، وهي التي قال الله عز وجل: {إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين}.
قاله أبي بن كعب وأبو العالية وقتادة وغيرهم.
وروى العوفي عن ابن عباس قوله: {إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين} مكة ألم تسمع إلى قوله {إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين} وزعم كعب الأحبار أنها حران.
وقد قدمنا عن نقل أهل الكتاب أنه خرج من أرض بابل هو وابن أخيه لوط وأخوه ناحور وامرأة إبراهيم سارة، وامرأة أخيه "ملكا"، فنزلوا حران فمات تارح أبو إبراهيم بها.
وقال السدي: انطلق إبراهيم ولوط قبل الشام، فلقي إبراهيم سارة وهي ابنة ملك حران، وقد طعنت على قومها في دينهم فتزوجها على أن لا يغيرها. رواه ابن جرير وهو غريب.
والمشهور أنها ابنة عمه هاران، الذي تنسب إليه حران.
ومن زعم أنها ابنة أخيه هاران أخت لوط كما حكاه السهيلي عن القتيبي والنقاش فقد أبعد النجعة، وقال بلا علم.
ومن ادعى أن تزويج بنت الأخ كان إذ ذاك مشروعا، فليس له على ذلك دليل. ولو فرض أن هذا كان مشروعا في وقت كما هو منقول عن الربانيين من اليهود فإن الأنبياء لا تتعاطاه والله أعلم. ثم المشهور أن إبراهيم عليه السلام لما هاجر من بابل خرج بسارة مهاجرا من بلاده كما تقدم والله أعلم.
وذكر أهل الكتاب: أنه لما قدم الشام أوحى الله إليه "إني جاعل هذه الأرض لخلفك من بعدك" فابتنى إبراهيم مذبحا لله شكرا على هذه النعمة، وضرب قبته شرقي بيت المقدس، ثم انطلق مرتحلا إلى التيمن، وأنه كان جوع، أي قحط وشدة وغلاء، فارتحلوا إلى مصر.
وذكروا قصة سارة مع ملكها، وأن إبراهيم قال لها: قولي أنا أخته وذكروا اخدام الملك إياها هاجر. ثم أخرجهم منها فرجعوا إلى بلاد التيمن يعني أرض بيت المقدس، وما والاها ومعه دواب وعبيد وأموال.
وقال البخاري: حدثنا محمد بن محبوب، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب عن محمد، عن أبي هريرة قال: "لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات اثنتان منهن في ذات الله قوله {إني سقيم} وقوله {بل فعله كبيرهم هذا} وقال بينا هو ذات يوم وسارة إذ أتى على جبار من الجبابرة فقيل له إن هاهنا رجل معه امرأة من أحسن الناس فأرسل إليه وسأله عنها؟ فقال من هذه؟ قال: أختي فأتى سارة فقال: يا سارة ليس على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك، وإن هذا سألني فأخبرته أنك أختي فلا تكذبيني.
فأرسل إليها فلما دخلت عليه ذهب يتناولها بيده، فأخذ فقال ادعى الله لي ولا أضرك، فدعت الله فأطلق، ثم تناولها الثانية مثلها أو أشد، فقال "ادعي الله لي ولا أضرك، فدعت فأطلقت. فدعا بعض حجبته فقال: إنكم لم تأتوني بإنسان وإنما أتيتموني بشيطان، فأخدمها هاجر.
فأتته وهو قائم يصلي فأومأ بيده مهيم. فقالت: رد الله كيد الكافر أو الفاجر في نحره، وأخدم هاجر.
قال أبو هريرة: فتلك أمكم يا بني ماء السماء". تفرد به من هذا الوجه موقوفا.
وقد رواه الحافظ أبو بكر البزار، عن عمرو بن علي الفلاس، عن عبد الوهاب الثقفي، عن هشام بن حسام، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن إبراهيم لم يكذب قط إلا ثلاث كذبات كل ذلك في ذات الله قوله {إني سقيم} وقوله {بل فعله كبيرهم هذا} وبينما هو يسير في أرض جبار من الجبابرة، إذ نزل منزلا فأتى الجبار فقيل له: إنه قد نزل هاهنا رجل معه امرأة من أحسن الناس. فأرسل إليه فسأله عنها فقال إنها أختي، فلما رجع إليها قال إن هذا سألني عنك؟ فقلت إنك أختي وإنه ليس اليوم مسلم غيري وغيرك وأنك أختي فلا تكذبيني عنده.
فانطلق بها، فلما ذهب يتناولها أخذ فقال: "ادعى الله لي ولا أضرك، فدعت له فأرسل، فذهب يتناولها فأخذ مثلها أو أشد منها.
فقال ادعي الله لي ولا أضرك فدعت فأرسل ثلاث مرات فدعا أدنى حشمه فقال: إنك لم تأتني بإنسان ولكن أتيتني بشيطان أخرجها وأعطها هاجر.
فجاءت وإبراهيم قائم يصلي فلما أحس بها انصرف فقال: مهيم، فقالت: كفى الله كيد الظالم وأخدمني هاجر".
وأخرجاه من حديث هشام. ثم قال البزار: لا يعلم أسنده عن محمد عن أبي هريرة إلا هشام ورواه غيره موقوفا.
وقال الإمام أحمد: حدثنا علي بن الحفص، عن ورقاء - هو أبو عمر اليشكري - عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات قوله حين دعي إلى آلهتهم فقال {إني سقيم} وقوله {بل فعله كبيرهم هذا} وقوله لسارة "إنها أختي".
قال: ودخل إبراهيم قرية فيها ملك من الملوك، أو جبار من الجبابرة، فقيل: دخل إبراهيم الليلة بامرأة من أحسن الناس، قال: فأرسل إليه الملك أو الجبار من هذه معك؟ قال: أختي قال: فأرسل بها، قال: فأرسل بها إليه، وقال لا تكذبي قولي فإني قد أخبرته أنك أختي إن ما على الأرض مؤمن غيري وغيرك.
فلما دخلت عليه قام إليها فأقبلت تتوضأ وتصلي، وتقول اللهم إن كنت تعلم إني آمنت بك وبرسولك وأحصنت فرجي إلا على زوجي فلا تسلط علي الكافر، قال: فغط حتى ركض برجله.
قال أبو الزناد: قال أبو سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة "إنها قالت: اللهم أن يمت يقال هي قتلته، قال: فأرسل.
قال: ثم قام إليها، قال: فقامت تتوضأ وتصلي وتقول: اللهم إن كنت تعلم أني آمنت بك وبرسولك وأحصنت فرجي إلا على زوجي فلا تسلط علي الكافر. قال فغط حتى ركض برجله، قال أبو الزناد وقال أبو سلمة عن أبي هريرة: إنها قالت اللهم أن يمت يقل هي قتلته، قال: فأرسل.
قال: فقال في الثالثة أو الرابعة: ما أرسلتم إلي إلا شيطانا أرجعوها إلى إبراهيم، وأعطوها هاجر.
قال: فرجعت فقالت لإبراهيم: أشعرت أن الله رد كيد الكافرين وأخدم وليدة! تفرد به أحمد من هذا الوجه وهو على شرط الصحيح.
وقد رواه البخاري عن أبي اليمان، عن شعيب بن أبي حمزة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم به مختصرا.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سفيان، عن علي بن زيد بن جدعان، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في كلمات إبراهيم الثلاث التي قالها: "ما منها كلمة إلا ما حل بها عن دين الله فقال: إني سقيم، وقال بل فعله كبيرهم هذا، وقال للملك حين أراد امرأته: هي أختي".
فقوله في الحديث "هي أختي"، أي في دين الله، وقوله لها: إنه ليس على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك يعني زوجين مؤمنين غيري وغيرك، ويتعين حمله على هذا لأن لوطا كان معهم وهو نبي عليه السلام.
وقوله لها لما رجعت إليه: مهيم؟ معناه ما الخبر؟ فقالت: إن الله رد كيد الكافرين. وفي رواية الفاجر. وهو الملك، وأخدم جارية. وكان إبراهيم عليه السلام من وقت ذهب بها إلى الملك قام يصلي لله عز وجل ويسأله أن يدفع عن أهله، وأن يرد بأس هذا الذي أراد أهله بسوء، وهكذا فعلت هي أيضا، فلما أراد عدو الله، أن ينال منها أمرا قامت إلى وضوئها وصلاتها، ودعت الله عز وجل بما تقدم من الدعاء العظيم، ولهذا قال تعالى: {واستعينوا بالصبر والصلاة} فعصمها الله وصانها لعصمة عبده ورسوله وحبيبه وخليله إبراهيم عليه السلام.
وقد ذهب بعض العلماء إلى نبوة ثلاث نسوة سارة وأم موسى ومريم عليهن السلام. والذي عليه الجمهور أنهن صديقات رضي الله عنهن وأرضاهن.
ورأيت في بعض الآثار: أن الله عز وجل كشف الحجاب فيما بين إبراهيم عليه السلام وبينها، فلم يزل يراها منذ خرجت من عنده إلى أن رجعت إليه، وكان مشاهدا لها، وهي عند الملك، وكيف عصمها الله منه، ليكون ذلك أطيب لقلبه وأقر لعينه، وأشد لطمأنينته، فإنه كان يحبها حبا شديدا لدينها وقرابتها منه، وحسنها الباهر، فإنه قد قيل: إنه لم تكن امرأة بعد حواء إلى زمانها أحسن منها رضي الله عنها. ولله الحمد والمنة.
وذكر بعض أهل التواريخ أن فرعون مصر هذا كان أخا للضحاك الملك المشهور بالظلم، وكان عاملا لأخيه على مصر. ويقال كان اسمه سنان بن علوان بن عبيد بن عويج بن عملاق بن لاود بن سام بن نوح. وذكر ابن هشام في التيجان أن الذي أرادها عمرو بن امرئ القيس بن مايلون بن سبأ، وكان على مصر. نقله السهيلي والله أعلم.
ثم إن الخليل عليه السلام رجع من بلاد مصر إلى أرض التيمن، وهي الأرض المقدسة التي كان فيها، ومعه أنعام وعبيد ومال جزيل، وصحبتهم هاجر القبطية المصرية.
ثم إن لوطا عليه السلام نزح بماله من الأموال الجزيلة بأمر الخليل له في ذلك إلى أرض الغور، المعروف بغور زغر فنزل بمدينة سدوم، وهي أم تلك البلاد في ذلك الزمان، وكان أهلها أشرارا كفارا فجارا.
وأوحى الله تعالى إلى إبراهيم الخليل، فأمره أن يمد بصره، وينظر شمالا وجنوبا وشرقا وغربا، وبشره بأن هذه الأرض كلها سأجعلها لك ولخلفك إلى آخر الدهر، وسأكثر ذريتك حتى يصيروا بعدد تراب الأرض.
وهذه البشارة اتصلت بهذه الأمة بل ما كملت ولا كانت أعظم منها في هذه الأمة المحمدية. يؤيد ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتي ما زوى لي منها".
قالوا: ثم إن طائفة من الجبارين تسلطوا على لوط عليه السلام، فأسروه وأخذوا أمواله، واستاقوا أنعامه. فلما بلغ الخبر إبراهيم الخليل سار إليه في ثلاثمائة وثمانية عشر رجلا فاستنقذ لوطا عليه السلام واسترجع أمواله وقتل من أعداء الله ورسوله خلقا كثيرا، وهزمهم وساق في آثارهم، حتى وصل إلى شمالي دمشق، وعسكر بظاهرها عند برزة، وأظن مقام إبراهيم إنما سمي لأنه كان موقف جيش الخليل والله أعلم.
ثم رجع مؤيدا منصورا إلى بلاده، وتلقاه ملوك بلاد بيت المقدس معظمين له مكرمين خاضعين، واستقر ببلاده صلوات الله وسلامه عليه.
ذكر مولد إسماعيل عليه السلام من هاجر[عدل]
قال أهل الكتاب: إن إبراهيم عليه السلام سأل الله ذرية طيبة، وان الله بشره بذلك، وأنه لما كان لإبراهيم ببلاد المقدس عشرون سنة، قالت سارة لإبراهيم عليه السلام، إن الرب قد حرمني الولد، فادخل على أمتي هذه، لعل الله يرزقني منها ولدا.
فلما وهبتها له دخل بها إبراهيم عليه السلام، فحين دخل بها حملت منه، قالوا: فلما حملت ارتفعت نفسها، وتعاظمت على سيدتها، فغارت منها سارة، فشكت ذلك إلى إبراهيم، فقال: لها افعلي بها ما شئت، فخافت هاجر فهربت، فنزلت عند عين هناك، فقال لها ملك من الملائكة، لا تخافي فإن الله جاعل من هذا الغلام الذي حملت خيرا، وأمرها بالرجوع، وبشرها أنها ستلد ابنا، وتسمية إسماعيل، ويكون وحش الناس، يده على الكل ويد الكل به، ويملك جميع بلاد اخوته، فشكرت الله عز وجل على ذلك.
وهذه البشارة إنما انطبقت على ولده محمد صلوات الله وسلامه عليه، فإنه الذي به سادت العرب، وملكت جميع البلاد غربا وشرقا، وأتاها الله من العلم النافع والعمل الصالح ما لم تؤت أمة من الأمم قبلهم، وما ذاك إلا بشرف رسولها على سائر الرسل، وبركة رسالته ويمن بشارته وكماله فيما جاء به، وعموم بعثته لجميع أهل الأرض.
ولما رجعت هاجر وضعت إسماعيل عليه السلام.
قالوا: وولدته ولإبراهيم من العمر ست وثمانون سنة، قبل مولد إسحاق بثلاث عشرة سنة.
ولما ولد إسماعيل أوحى الله إلى إبراهيم يبشره بإسحاق من سارة، فخر لله ساجدا، وقال له وقد استجبت لك في إسماعيل وباركت عليه وكثرته ويمنته جدا كثيرا، ويولد له اثنا عشر عظيما. وأجعله رئيسا لشعب عظيم.
وهذه أيضا بشارة بهذه الأمة العظيمة، وهؤلاء الاثنا عشر عظيما هم الخلفاء الراشدون الاثنا عشر المبشر بهم في حديث عبد الملك بن عمير عن جابر بن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال"يكون اثنا عشر أميرا" ثم قال كلمة لم أفهمها، فسألت أبي ما قال؟ قال: "كلهم من قريش" أخرجاه في "الصحيحين".
وفي رواية "لا يزال هذا الأمر قائما" وفي رواية (عزيزا حتى يكون اثنا عشر خليفة كلهم من قريش).
فهؤلاء منهم الأئمة الأربعة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي. ومنهم عمر بن عبد العزيز أيضا. ومنهم بعض بني العباس وليس المراد أنهم يكونون اثني عشر نسقا بل لا بد من وجودهم.
وليس المراد الأئمة الأثني عشر الذين يعتقد فيهم الرافضة الذين أولهم علي بن أبي طالب وأخرهم المنتظر بسرداب سامرا وهو محمد بن الحسن العسكري فيما يزعمون، فإن أولئك لم يكن فيهم أنفع من علي وابنه الحسن بن علي، حين ترك القتال وسلم الأمر لمعاوية، وأخمد نار الفتنة، وسكن رحى الحرب بين المسلمين، والباقون من جملة الرعايا لم يكن لهم حكم على الأمة في أمر من الأمور. وأما ما يعتقدونه بسرداب سامرا فذلك هوس في الرؤوس، وهذيان في النفوس لا حقيقة له ولا عين ولا أثر.
والمقصود أن هاجر عليها السلام لما ولد لها إسماعيل واشتدت غيرة سارة منها، وطلبت من الخليل أن يغيب وجهها عنها، فذهب بها وبولدها فسار بهما حتى وضعهما حيث مكة اليوم.
ويقال إن ولدها كان إذ ذاك رضيعا.
فلما تركهما هناك وولى ظهره عنهما، قامت إليه هاجر وتعلقت بثيابه وقالت: يا إبراهيم أين تذهب وتدعنا هاهنا، وليس معنا ما يكفينا؟ فلم يجبها، فلما ألحت عليه وهو لا يجيبها، قالت له: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت فإذا لا يضيعنا.
وقد ذكر الشيخ أبو محمد بن أبي زيد رحمه الله في كتاب النوادر: أن سارة غضبت على هاجر، فحلفت لتقطعن ثلاثة أعضاء منها، فأمرها الخليل أن تثقب أذنيها، وأن تخفضها فتبر قسمها.
قال السهيلي: فكانت أول من اختتن من النساء، وأول من ثقبت أذنها منهن، وأول من طولت ذيلها.
ذكر مهاجرة إبراهيم بابنه إسماعيل وأمه هاجر إلى جبال فاران وهي أرض مكة، وبنائه البيت العتيق[عدل]
قال البخاري: قال عبد الله بن محمد - هو أبو بكر بن أبي شيبه - حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن أيوب السختياني وكثير بن كثير بن عبد المطلب بن أبي وداعة، يزيد أحدهما عن الآخر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: "أول ما اتخذ النساء المنطق من قبل أم إسماعيل، اتخذت منطقا لتعفى أثرها على سارة". ثم جاء بها إبراهيم وبابنها إسماعيل وهي ترضعه حتى وضعهما عند البيت، عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد وليس بمكة يومئذ أحد، وليس بها ماء فوضعهما هنالك ووضع عندهما جرابا فيه تمر، وسقاء فيه ماء.
ثم قفى إبراهيم منطلقا، فتبعته أم إسماعيل فقالت: يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس به أنيس ولا شيء؟ فقالت له ذلك مرارا؛ وجعل لا يلتفت إليها، فقالت له: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إذا لا يضيعنا. ثم رجعت.
فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت، ثم دعا بهؤلاء الدعوات، ورفع يديه فقال: {ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون}.
وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل وتشرب من ذلك الماء حتى إذا نفذ ما في السقاء عطشت وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلوى، أو قال: يتلبط، فانطلقت كراهية أن تنظر إليه فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها، فقامت عليه، ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدا فلم تر أحدا، فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت بطن الوادي رفعت طرف درعها ثم سعت سعي الإنسان المجهود، حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة فقامت عليها، ونظرت هل ترى أحدا؟ فلم تر أحدا ففعلت ذلك سبع مرات.
قال ابن عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم "فلذلك سعى الناس بينهما".
فلما أشرفت على المروة سمعت صوتا فقالت: صه، تريد نفسها.
ثم تسمعت فسمعت أيضا، فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غواث فإذا هي بالملك عند موضع زمزم، فبحث بعقبه، أو قال بجناحه، حتى ظهر الماء، فجعلت تحوضه وتقول بيدها هكذا، وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهو يفور بعد ما تغرف.
قال ابن عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم "يرحم الله أم إسماعيل لو تركت زمزم". أو قال: "لو لم تغرف من الماء لكانت زمزم عينا معينا". قال: فشربت وأرضعت ولدها. فقال لها الملك: لا تخافي الضيعة، فإن هاهنا بيتا لله يبنيه هذا الغلام وأبوه، وإن الله لا يضيع أهله.
وكان البيت مرتفعا من الأرض كالرابية، تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وعن شماله، فكانت كذلك حتى مرت بهم رفقة من جرهم، أو أهل بيت من جرهم، مقبلين من طريق كداء، فنزلوا في أسفل مكة فرأوا طائرا عائفا، فقالوا: إن هذا الطائر ليدور على الماء، لعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماء، فأرسلوا جريا أو جريين فإذا هم بالماء، فرجعوا فأخبروهم بالماء، فأقبلوا.
قال: وأم إسماعيل عند الماء، فقالوا: أتأذنين لنا أن ننزل عندك؟ قالت: نعم ولكن لا حق لكم في الماء عندنا. قالوا: نعم.
قال عبد الله بن عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم: "فألفى ذلك أم إسماعيل وهي تحب الأنس، فنزلوا وأرسلوا إلى أهليهم، فنزلوا معهم حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم.
وشب الغلام وتعلم العربية منهم وأنفسهم وأعجبهم حين شب، فلما أدرك، زوجوه امرأة منهم.
وماتت أم إسماعيل، فجاء إبراهيم بعد ما تزوج إسماعيل، يطالع تركته فلم يجد إسماعيل، فسأل امرأته عنه؟ فقالت: خرج يبتغي لنا. ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم؟ فقالت: نحن بشر نحن في ضيق وشدة وشكت إليه. قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام وقولي له يغير عتبة بابه.
فلما جاء إسماعيل كأنه آنس شيئا، فقال: هل جاءكم من أحد؟ فقالت: نعم جاءنا شيخ كذا كذا، فسألنا عنك فأخبرته، وسألني كيف عيشنا فأخبرته أنا في جهد وشدة. قال: فهل أوصاك بشيء؟ قالت: نعم أمرني أن أقرأ عليك السلام، ويقول لك غير عتبة بابك. قال: ذاك أبي وقد أمرني أن أفارقك، فالحقي بأهلك، وطلقها وتزوج منهم أخرى، ولبث عنهم إبراهيم ما شاء الله. ثم أتاهم بعد فلم يجده، فدخل على امرأته فسألها عنه؟ فقالت: خرج يبتغي لنا، قال: كيف أنتم؟ وسألها عن عيشهم وهيئتهم، فقالت: نحن بخير وسعة، وأثنت على الله عز وجل، فقال: ما طعامكم؟ قالت: اللحم قال: فما شرابكم؟ قالت: الماء. قال اللهم بارك لهم في اللحم والماء.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ولم يكن لهم يومئذ حب. ولو كان لهم حب لدعا لهم فيه" قال: فهما لا يخلو عليهما أحد بغير مكة إلا لم يوافقاه.
قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام ومريه يثبت عتبة بابه. فلما جاء إسماعيل قال هل أتاكم من أحد؟ قالت: نعم أتانا شيخ حسن الهيئة، وأثنت عليه، فسألني عنك فأخبرته فسألني كيف عيشنا؟ فأخبرته أنا بخير. قال: فأوصاك بشيء؟ قالت: نعم هو يقرأ عليك السلام ويأمرك أن تثبت عتبة بابك. قال: ذاك أبي وأنت العتبة، أمرني أن أمسكك.
ثم ما لبث عنهم ما شاء الله. ثم جاء بعد ذلك وإسماعيل يبري نبلا له تحت دوحة قريبا من زمزم، فلما رآه قام إليه فصنعا، كما يصنع الوالد بالولد، والولد بالوالد. ثم قال: يا إسماعيل إن الله أمرني بأمر، قال: فاصنع ما أمرك به ربك، قال: وتعينني؟ قال: وأعينك. قال: فإن الله أمرني أن أبني هاهنا بيتا، وأشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها.
قال فعند ذلك رفعا القواعد من البيت، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة، وإبراهيم يبني حتى إذا ارتفع البناء، جاء بهذا الحجر فوضعه له فقام عليه، وهو يبني وإسماعيل يناوله الحجارة، وهما يقولان {ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم}.
قال: فجعلا يبنيان، حتى يدورا حول البيت، وهما يقولان: {ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم}.
ثم قال: حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا أبو عامر عبد الملك بن عمرو، حدثنا إبراهيم بن نافع، عن كثير بن كثير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لما كان من إبراهيم وأهله ما كان، خرج بإسماعيل وأم إسماعيل ومعهم شنة فيها ماء. وذكر تمامه بنحو ما تقدم.
وهذا الحديث من كلام ابن عباس وموشح برفع بعضه، وفي بعضه غرابة، وكأنه مما تلقاه ابن عباس عن الإسرائيليات، وفيه أن إسماعيل كان رضيعا إذ ذاك.
وعند أهل التوراة أن إبراهيم أمره الله بأن يختن ولده إسماعيل، وكل من عنده من العبيد، وغيرهم، فختنهم، وذلك بعد مضي تسع وتسعين سنة من عمره، فيكون عمر إسماعيل يومئذ ثلاث عشرة سنة، وهذا امتثال لأمر الله عز وجل في أهله، فيدل على أنه فعله على وجه الوجوب، ولهذا كان الصحيح من أقوال العلماء أنه واجب على الرجال كما هو مقرر في موضعه.
وقد ثبت في الحديث الذي رواه البخاري: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا مغيرة بن عبد الرحمن القرشي، عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم "اختتن إبراهيم النبي عليه السلام وهو ابن ثمانين سنة بالقدوم".
تابعه عبد الرحمن بن إسحاق عن أبي الزناد، وتابعه عجلان عن أبي هريرة، ورواه محمد بن عمرو عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، وهكذا رواه مسلم عن قتيبة به.
وفي بعض الألفاظ: "اختتن إبراهيم بعد ما أتت عليه ثمانون سنة واختتن بالقدوم" والقدوم هو الآلة، وقيل: موضع.
وهذا اللفظ لا ينافي الزيادة على الثمانين. والله أعلم لما سيأتي من الحديث عند ذكر وفاته عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "أنه قال اختتن إبراهيم وهو ابن مائة وعشرين سنة وعاش بعد ذلك ثمانين سنة". رواه ابن حيان في "صحيحه".
وليس في هذا السياق ذكر قصة الذبيح، وأنه إسماعيل، ولم يذكر في قدمات إبراهيم عليه السلام إلا ثلاث مرات، أولاهن بعد أن تزوج إسماعيل بعد موت هاجر، وكيف تركهم من حين صغر الولد على ما ذكر إلى حين تزويجه لا ينظر في حالهم. وقد ذكر أن الأرض كانت تنطوي له، وقيل إنه كان يركب البراق إذا سار إليهم، فكيف يتخلف عن مطالعة حالهم وهم في غاية الضرورة الشديدة والحاجة الأكيدة؟!
وكأن بعض هذا السياق متلقى من الإسرائيليات ومطرز بشيء من المرفوعات ولم يذكر فيه قصة الذبيح، وقد دللنا على أن الذبيح هو إسماعيل على الصحيح في سورة الصافات.


رد مع اقتباس